وقال أبو العالية:«كُنَّا نَسْمَعُ الرِّوَايَةَ بِالْبَصْرَةِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا رَضِينَا حَتَّى رَحَلْنَا إِلَيْهِمْ، فَسَمِعْنَاهَا مِنْ أَفْوَاهِهِمْ»(٣). وكان التابعون وأتباعهم يتواصون بطلب الإسناد، قال هشام بن عروة:«إذَا حَدَّثَكَ رَجُلٌ بِحَدِيثٍ فَقُلْ عَمَّنْ هَذَ؟»(٤)، وكان الزهري إِذَا حَدَّثَ أَتَى بِالإِسْنَادِ وَيَقُولُ:«لاَ يَصْلُحُ أَنْ يُرْقَى السَّطْحُ إِلاَّ بِدَرَجِهِ»(٥)، وقال الأوزاعي:«مَا ذَهَابُ العِلْمِ إِلاَّ ذَهَابُ الإِسْنَادِ»(٦)،، وقال سفيان الثوري:«الإِسْنَادُ سِلاَحُ الْمُؤْمِنِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سِلاَحٌ فَبِأَيِّ شَيْءٍ يُقَاتِلُ؟»(٧)، ويقول عبد الله بن المبارك:«الإِسْنَادُ مِنَ الْدِّينِ، وَلَوْلاَ الإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ»(٨)، وعنه أنه قال:«بَيْنَنَا وَبَيْنَ القَوْمِ القَوَائِمُ» يَعْنِي الإِسْنَادَ. (٩).
وقد أتقن التابعون الإسناد وبرزوا فيه كما برزوا في غيره من علوم الحديث، وفي هذا يَقُولُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيَّ: «وَجَدْنَا الحَدِيثَ عِنْدَ أَرْبَعَةٍ: الزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَأَبِي إِسْحَاقَ، وَالأَعْمَشِ، فَكَانَ قَتَادَةُ أَعْلَمَهُمْ بِالاخْتِلاَفِ، وَ [كَانَ] الزُّهْرِيُّ
(١) مقدمة " التمهيد " لابن عبد البر: ص ١٤: ب. وانظر " المحدث الفاصل ": ص ٢٠: آ. (٢) " المحدث الفاصل ": ص ٢٠: آ. (٣) مقدمة " التمهيد ": ص ١٥: آ. ونحوه في " الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ": ص ١٦٨: ب. (٤) " الجرح والتعديل ": ص ٣٤ جـ ١. (٥) المرجع السابق: ص ١٦ جـ ١. (٦) مقدمة " التمهيد ": ص ١٥: ب. (٧) " شرف أصحاب الحديث ": ص ٨٠: ب مخطوط دار الكتب المصرية ضمن مجموعة برقم (ب - ٢٣٧٣٦) وعن مخطوطة المكتبة الظاهرية بدمشق: ص ٣٩ جـ ١. (٨) " صحيح مسلم بشرح النووي ": ص ٨٧ جـ ١. (٩) المرجع السابق: ص ٨٨ جـ ١.