إن الله تعالى قدَّر بحكمته البالغة طريقًا لحصول الصبر والتحمُّل بأن حبس الوحي أيامًا ففتر، واشتاقت نفسه الشريفة للوحي حتى إنه اغتمَّ بسبب الفترة غمًّا شديدًا، وذهب إلى شواهق الجبال لكي يُلقي نفسَه، ولكن تبدَّى له جبرئيل قائلًا إنك رسول الله حقًّا، فاطمئنت نفسُه، وسكن جأشُه، فلما اشتاق واشتد شوقُه وإن عليه تحملُ أعباء الرسالة، فإن الشيء يسهل تحملُه بعد اشتياق النفس إليه.
وقد ذكر العارف الرومي في "المثنوي المعنوي" توجيهًا نحوه لنحو تلك القصة، وهي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل جبرئيل أن يريه صورته الأصلية، فقال له جبرئيل: إنك لا تقدر على النظر إليّ في تلك الحال، فلما أَصَرّ عليه المصطفى - صلى الله عليه وسلم - تَبَدَّى له جبرئيل له ستمائة جناح، قد سَدّ الأفق، فخرّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مغشيًّا عليه، فنزل جبرئيل واحتضنه حتى سكن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
قال العارف الرومي ما حاصله: إن المتأثر إنما كان جسم النبي - صلى الله عليه وسلم - لا حقيقته وروحه، بل الحقيقة المحمدية لا يقدر جبرئيل أن يتحمَّلها، ولذلك لما تقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة الإسراء فوق السِّدرة، وقال لجبرئيل: تَقَدَّمْ، فاعتذر إليه جبرئيل قائلًا: إنه لو تقدم مقدار شعرة لَذَابَ واحترق، والله تبارك وتعالى أعلم، انتهى معرّبًا وملخصًا.
(لقد خشيت. . .) إلخ، اختلفوا في الخشية على اثني عشر قولًا، بسطت في "اللامع"(١) وهامشه، وهي: الجنون، والهاجس، والموت، والمرض، ودوامه، والعجز عن التحمُّل، والعجز عن رؤية الملَك، وعدم الصبر على الأذى، وخوف القتل، ومفارقة الوطن، وتكذيبهم، وتعييرهم.
وأوجه الأقوال: الثالث: الموت، أو السادس، ورجَّح شيخ المشايخ القطب الكَنكَوهي السادسَ، وكذا رجَّحه النووي في "شرح مسلم"(٢)، وهي خشية عدم تحمل أعباء النبوة.