من جملة معجزاته، ثم رجَّح الحافظ رواية الرفع فقال: والترجيح هنا متعين لاتحاد القصة، ورواية الرفع لا إشكال فيها، وهي التي ثبتت عن الأكثر فترجَّحَتْ، وإن كان للأخرى توجيه، وقد رجَّح شيخُنا البُلقينيُّ بأن فاعل "بلغ" هو الغط، والتقدير: بلغ مني الغطُّ جهدَه، أي: غايته، فيرجع الرفع والنصب إلى معنى واحد، وهو أولى، انتهى.
ثم التثليث إشارة إلى أن المؤدِّب لا يزيد الضربَ على ثلاثة مرَّات، حكاه السُّهيلي (١) عن شريح القاضي التابعي، وقيل: الغطة الأولى للتخلي عن الدنيا، والثانية للتفرغ لما يوحى إليه، والثالثة للمؤانسة، كذا في "القسطلاني"(٢).
والأوجه عندي أن الأولى لحصول النسبة الإلقائية، والثانية لحصول النسبة الإصلاحية، والثالثة: لحصول النسبة الاتحادية، فالتوجه عند العارفين أربعة أنحاء: انعكاسي، وإلقائي، وإصلاحي، واتحادي، وتفصيل هذه التوجهات الأربعة في هامش "اللامع"(٣) بذيل هذا الحديث جدير بأن يُنْظَر.
ولم يحتَجْ - صلى الله عليه وسلم - إلى الأولى؛ لأنها حصلت بمجرد لقاء جبرئيل - عليه السلام - لصفاء قلبه - صلى الله عليه وسلم - بالخلوة في حِراء ستة أشهر، ولا يقال: إِنه يلزم منه فضل جبرئيل - عليه السلام - على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه أمر ابتدائي، وأول أحواله - صلى الله عليه وسلم -، ثم ترقَّى النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك كل يوم حتى سبق على جبرئيل بمراحل، إلى أن قال جبرئيل:
اكَر يك سر موـ> برتر برم … فروغِ تجلي بسوزد برم
فلما ارتقى - صلى الله عليه وسلم - إلى هذه المرتبة العليَّة قبل الهجرة بكثير، فما ظنك فيما ارتقى - عليه الصلاة والسلام - بعد ذلك.
وقد يقال: إنهم ذكروا ثلاث عوالم: الأول: عالم الناسوت، والثاني: عالم الملكوت، والثالث: عالم اللاهوت.