ولأنه لو لم يعمل بما يقَر به عنده أفضى ذلك إلى ضياع الحقوق؛ لأنه قد يقر عنده ولا يحضره أحد من الشهود، فإذا لم يحكم به ضاع حق المقر له.
وقال القاضي: لا يحكم حتى يسمعه معه شاهدان ولا يكون حكماً بعلمه.
(لا بعلمه) يعني: وليس له الحكم بعلمه (في غير هذه) الصورة (ولو في غير حد) على الأصح؛ لما روت عائشة " أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا جهم على الصدقة فَلَاجَّهُ (١) رجل في فريضة. فوقع بينهما شجاج. فأتوا للنبي صلى الله عليه وسلم فأعطاهم الأرش. ثم قال: إنى خاطب (٢) ومخبرهم أنكم قد رضيتم. أرضيتم؟ قالوا: نعم. فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر القصة. وقال: أرضيتم؟ قالوا: لا. فهمَّ بهم المهاجرون. فنزل النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاهم. ثم صعد فخطب الناس. فقال: أرضيتم؟ قالوا: نعم "(٣) . رواه الخمسة إلا الترمذي.
فهذا يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأخذ بعلمه.
وروي عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه أنه قال:" لو رأيت حداً على رجل لم آخذه حتى تقوم البينة ".
(١) = وأخرجه أبو داود في " سننه " (٣٥٨٣) ٣: ٣٠١ كتاب الأقضية، باب في قضاء القاضي إذا أخطأ. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٣٣٩) ٣: ٤٩٢ كتاب الأحكام، باب ما جاء في التشديد على ما يقضي له بشيء ليس له أن يأخذه. وأخرجه النسائي في" سننه " (٥٤٢٢) ٨: ٢٤٧ كتاب آداب القضاة، ما يقطع القضاء. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٣١٧) ٢: ٧٧٧ كتاب الأحكام، باب قضية الحاكم لا تحل حراماً ولا تحرم حلالاً. وأخرجه أحمد فى " مسنده " (٢٦٦٦٨) ٦: ٣٠٨. في أ: فلاحاه، وفي ب: فلاجاه. وما أثبتناه من " السنن ". (٢) في ج: أخاطب. (٣) أخرجه أبو داود في"سننه" (٤٥٣٤) ٤: ١٨١ كتاب الديات، باب العامل يصاب على يديه خطأ. وأخرجه النسائي في"سننه " (٤٧٧٨) ٨: ٣٥ كتاب القسامة، السلطان يصاب على يده. وأخرجه ابن ماجه في"سننه" (٢٦٣٨) ٢: ٨٨١ كتاب الديات، باب الجارح يفتدي بالقود. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٦٠٠٠) ٦: ٢٣٢.