ولأنه كفّر بعد وجود السبب. فأجزأ؛ كما لو كفر كفارة القتل بعد الجرح
وقبل الزهوق. والسبب هو اليمين بدليل قوله سبحانه وتعالى: (واحفظوا أيمانكم إذا حلفتم) [المائدة: ٨٩]، وقول الله سبحانه وتعالى: (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) [التحريم: ٢].
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " وكفرت يميني " (١) ، و " كفر عن يمينك " (٢) وتسمية الكفارة كفارة يمين. وعلى هذا فالحنث شرط وليس سبب.
ولأن تعجيل حق الله سبحانه وتعالى في المال بعد وجود سببه قبل وجود
شرطه جائز، بدليل تعجيل الزكاة بعد وجود النصاب وقبل الحول.
قال ابن عبد البر: العجب من أصحاب أبي حنيفة أجازوا تقديم الزكاة من
غير أن يروا فيها مثل: هذه الآثار في تقديم الكفاراة، وأبَوا تقديم الكفارة هاهنا مع كثرة الرواية الواردة فيها، والحجة في السنة ومن خالفها فهو محجوج بها.
وقال ابن أبي موسى: إخراج الكفارة بعد الحنث أفضل وفاقًا لمالك. والشا فعي.
ولنا: أن الأحاديث الواردة فيها التقديم مرة والتأخير أخرى وهذا دليل التسوية.
(ولا تجزئ) الكفارة إن أخرجها (قبل حلف) إجماعًا؛ لأنه تقديم للحكم
قبل سببه؛ كتقديم الزكاة قبل ملك النصاب. ولا يلتفت إلى قول ابن حزم: أن العلماء اختلفوا في تقديمها على اليمين.
(ومن لزمته أيمان مُوجِبُها واحد ولو على أفعال) على الأصح، كقوله:
والله لا أكلت، والله لا شربت، والله لا أعطيت، والله لا أخذت، (قَبْل تكفيرٍ: فكفارة واحدة). نص على ذلك في رواية ابن منصرر.
(١) أخرجه أحمد في"مسنده" (١٩٤٨٧) ٤: ٣٩٨.
(٢) أخرجه ابن ماجه في"سننه" (٢١٠٩) ١: ٦٨١ كتاب الكفارات، باب من حلف على يمين فرأى
غيره خيراً منها.