يعني: أن من جنى على إنسان جناية لها أرش فذهب بها عقله وجب عليه الدية للعقل مع أرش الجناية ولم يتداخلا؛ كما لو أوضحه فذهب عقله فإنه يجب عليه الدية للعقل والأرش للموضحة؛ لأنهما جنايتان متغايرتان. فوجبت ديتهما، حتى ولو كانا بفعل إنسان واحد، كما لو ضربه على رأسه فأذهب سمعه وبصره.
(ويقبل قول مجني عليه) بيمينه: (في نقص بصر وسمع) يعني: في أن بصره نقص أو أن سمعه نقص؛ لأن ذلك لا يعلم إلا من جهته فيحلفه الحاكم ويوجب حكومة. وإن ادعى مجني عليه أن إحدى عينيه نقص ضوؤها عصبت المريضة التي ادعى نقص ضوؤها وأطلقت الصحيحة ونصب له شخص ويتباعد عنه، فكلما قال: قد رأيته فوصف لونه علم صدقه حتى تنتهي رؤيته. فإذا انتهت علم موضعها ثم تشد الصحيحة وتطلق المريضة وينصب له شخص ثم يذهب حتى تنتهي رؤيته، ثم يدار الشخص إلى جانب آخر فيصنع به مثل ذلك، ثم يعلم عند المسافتين ويذرعان ويقابل بينهما، فإن كانا سواء فقد صدق وينظر كم بين مسافة رؤية العليلة والصحيحة. ويحكم له من الدية بقدر ما بينهما. وإن اختلفت المسافتان فقد كذب.
والأصل في هذا قول ابن المنذر: أحسن ما قيل في ذلك قول عمر (١) رضي الله تعالى عنه: " أمر بعينه فعصبت وأعطى رجلاً بيضة فانطلق بها وهو ينظر حتى انتهى بصره. ثم أمره فخط عند ذلك. ثم أمر بعينه الأخرى فعصبت وفتحت الصحيحة، وأعطى رجلاً بيضة فانطلق بها وهو ينظر حتى انتهى بصره، ثم خط عند ذلك. ثم حول إلى مكان آخر ففعل مثل ذلك فوجدوه سواء، فأعطاه بقدر ما نقص من بصره من مال الاخر ".
(و) يقبل قول مجني عليه (في قدر ما أتلف) منه (كلّ من جانيين فأكثر)؛ لأن الجانيين اتفقا على الإتلاف في الجملة والمجني عليه غير متهم في