والأخبار الصحيحة إنما تدل على فضلها. لا أفضليتها على مكة.
واستدل القائل بأفضلية المدينة أيضاً بأنه صلى الله عليه وسلم خلق منها، وهو خير بشر، وتربته خير الترب.
وأجابه القاضي: بأن فضل الخلقة لا يدل على فضل التربة " لأن أحد الخلفاء الأربعة أفضل من غيره، ولم يدل أن تربته أفضل. وكذا قال غير القاضي. قال ابن عقيل في "الفنون ": الكعبة أفضل من مجرد الحجرة. فأما والنبي صلى الله عليه وسلم فيها فلا والله ولا العرش وحملته والجنة؛ لأن بالحجرة جسداً لو وزن به لرجح.
قال في " الفروع ": فدل كلام الأصحاب على أن التربة على الخلاف.
قال شيخنا: لم أعلم أحداً فضّل التربة على الكعبة غير القاضي عياض، ولم يسبقه أحد، ولا وافقه أحد.
وفي " الإرشاد " وغيره: الخلاف في المجاورة فقط. وجزموا بأفضلية الصلاة وغيرها، واختاره شيخنا وغيره، وهو أظهر. وقال: المجاورة بمكان يكثر فيه إيمانه وتقواه أفضل حيث كان.
ومعنى ما جزم به في " المغني " وغيره: أن مكة أفضل، وإن المجاورة بالمدينة أفضل. وذكر قول أحمد: المقام بالمدينة أحب إلي من المقام بمكة لمن قوي عليه، لأنها مهاجر المسلمين.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يصبر أحد على لأوائها وشدتها إلا كنت له شفيعاً يوم القيامة " (١) . وهذا الخبر رواه مسلم من حديث ابن عمر، ومن حديث أبي هريرة، ومن حديث أبي سعيد، ومن حديث سعد، وفيهن: " أو شهيداً ".
وفي حديث سعد: " ولا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٧٧) عن ابن عمر، و (٠ ١٣٧٨) عن أبي هريرة ٢: ٤ ٠ ٠ ١ و (١٣٧٤) ٢: ٢ ٠ ٠ ١ عن أبي سعيد، كتاب الحج، باب الترغيب في سكنى المدينة والصبر على لأوائها. و (١٣٦٣) ٢: ٩٩٢ عن سعد، كتاب الحج، باب فضل المدينة. . .