للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

عظيمة كقبيلتين أو أهل قريتين تشاجروا في دماء أو أموال، ويحدث بسببها الشحناء والعداوة ويخاف من ذلك الفتن (١) العظيم وذهاب النفوس والأموال. فيتوسط الرجل بالصلح بينهما. ويلتزم في ذمته مالاً عوضاً عما بينهم من دم أو مال لأربابه؛ ليطفي الثائرة التي بينهم ويسكن الفتنة. وإنما يلتزم في مثل ذلك مالاً عظيماً خطيرًا ولا يقبل تحمله عادة إلا إذا كان مليئاً. فهذا الرجل قد أتى معروفاً عظيماً وابتغى صلاحاً عاماً منه. فكان من المعروف حمله عنه من الصدقة وتوفر ماله عليه لئلا يجحف ذلك بسادات القوم المصلحين بينهم أو يوهن عزائمهم في تسكين الفتن وكف المفاسد.

وكانت العرب تفعل ذلك. فكان الرجل منهم يتحمل الحَمالة- بفتح الحاء-

ثم يخرج في القبائل. فيسأل حتى يؤديها. فورد الشرع بإباحة المسألة فيها وجعل لهم نصيبا من الصدقة. فروى مسلم بإسناده عن قبيصه بن المخارق، قال:

" تحملت حمالة. فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وسألته فيها. فقال: أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها. ثم قال: يا قبيصة لِلَّهِ إن الصدقة لا تحل إلا لثلاثة: رجل تحمل حمالة فيسأل فيها حتى يؤديها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله فحلت له المسألة فسأل حتى يصيب سداداً من عيش أو قواماً من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجى من قومه لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب سداداً من عيش أو قواماً من عيش. وما سوى ذلك فهو سحت يأكلها صاحبها سحتاً يوم القيامة " (٢) .

وفي معنى ذلك ما اشير إليه بقوله: (أو تحمل إتلافاً أو نهباً عن غيره) فيجوز له الأخذ من الزكاة (ولو) كان (غنيا). خلافاً لابن عقيل " لأن ذلك من المصالح العامة. فجاز مع الغنى؛ كالعامل والمؤلف.

(و) إنما يباح له الأخذ إذا (لم يدفع من ماله) ما تحمله؛ لأنه إذا دفع ذلك

من ماله خرج عن كونه مديناً.


(١) في أ: الفسق. وفي ج: الغبن. ()
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٦٤٠) ٢: ١٢٠ كتاب الزكاة، باب ما تجوز فيه () المسألة.

<<  <  ج: ص:  >  >>