وأزكاها، كما مرّ آنفًا بيان شيخ الإسلام لبعضها، ونعيد بيان تلك المقامات بشيء من الإيضاح، قال سبحانه في مقام الوحي: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)} [النجم]، وقال سبحانه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)} [الكهف]، وقال أيضًا: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)} [الفرقان: ١]، والوحي من أعلى المقامات وأشرفها.
وقال في مقام الدعوة إلى الله: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا … يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)} [الجن] والدعوة التي هي إبلاغ الحق للخلق بأمر الخالق، شرف لا يدانيه شرف.
وقال في مقام ولايته وكفايته له أيضًا:{أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}[الزمر: ٣٦].
قال ابن سعدي -رحمه الله-: «أي: أليس من كرمه وجوده، وعنايته بعبده، الذي قام بعبوديته، وامتثل أمره واجتنب نهيه، خصوصًا أكمل الخلق عبودية لربه، وهو محمد -صلى الله عليه وسلم-، فإن الله تعالى سيكفيه في أمر دينه ودنياه، ويدفع عنه من ناوأه بسوء»(١).
وقال تعالى في مقام التحدي:{وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ}[البقرة: ٢٣].
وقال سبحانه في مقام الإسراء:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ}[الإسراء]، وهو مقام تشريفي خُص به أشرفُ الخلق -صلى الله عليه وسلم- من بين العالمين.
قال القرطبي -رحمه الله-: «قال العلماء: لو كان للنبي -صلى الله عليه وسلم- اسم أشرف منه لسماه به في تلك الحالة العلية.
قال القشيري -رحمه الله-: لما رفعه الله تعالى إلى حضرته السنية، وأرقاه فوق الكواكب العلوية، ألزمه اسم العبودية تواضعًا للأمة» (٢).
ويؤكد الشنقيطي بيان ما ذكره القرطبي حول آية الإسراء فيقول -رحمه الله-: «والتعبير
(١) تفسير ابن سعدي (ص: ٧٢٥). (٢) الجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٢٠٥).