واختلف العلماء في معنى هذه الآية؛ فقال بعضهم: معناها: فمن شهد بالغا عاقلا مقيما صحيحا مكلفا فليصمه، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه. وقال قوم: معناه:
فمن دخل عليه شهر رمضان وهو مقيم في داره فليصم الشهر كله غاب بعده فسافر أو أقام فلم يبرح، قاله السديّ والنخعي. قال قتادة:(إنّ عليّا كان يقول: إذا أدركه رمضان وهو مقيم ثمّ سافر فعليه الصّوم).
قالوا: والمستحبّ له أن لا يسافر إذا أدركه رمضان مقيما إن أمكنه حتى ينقضي الشهر. وروي في ذلك عن إبراهيم بن طلحة (أنّه جاء إلى عائشة رضي الله عنها يسلّم عليها، فقالت له: فأين تريد؟ قال: أريد العمرة، قالت: جلست حتى إذا دخل عليك شهر رمضان خرجت فيه؟ قال: قد خرج رحلي، قالت: اجلس حتّى إذا أفطرت فاخرج، فلو أدركني رمضان وأنا ببعض الطّريق لأقمت له)(٣).
وقال آخرون: معناه: {(فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)} أي ما شهد منه وكان حاضرا؛ فإن سافر فله الإفطار إن شاء، قاله ابن عبّاس وعامّة أهل التفسير؛ وهو أصحّ الأقاويل؛ ويدل عليه ما روى ابن عباس؛ قال:[خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عام الفتح صائما في رمضان حتّى إذا كان بالكديد أفطره](٤).وعن الشعبيّ:(أنه سافر في رمضان فأفطر عند باب الجسر).وعن أبي ميسرة:(أنه خرج في رمضان حتى إذا بلغ القنطرة دعا بماء فشرب).
قوله عزّ وجلّ:{وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ؛} أي من كان مريضا أو مسافرا فأفطر فعليه قضاء ما أفطر فيه.
(١) قريش ٣/. (٢) الحج ٢٩/. (٣) أخرجه الطبري في جامع البيان: النص (٢٣٢٥). (٤) أخرجه الطبري في جامع البيان: الحديث (٢٣٣٤ و ٢٣٣٥).والكديد: موضع بالحجاز. ويوم الكديد من أيام العرب، وهو موضع على اثنين وأربعين ميلا من مكة. معجم البلدان: (الكديد).