للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فلمّا بعث الله محمّدا صلّى الله عليه وسلّم حجب من الثلاث الباقيات، فهو وجنوده محجوبون من جميع السموات إلى يوم القيامة إلاّ من استرق فأتبعه شهاب ثاقب.

فلما كان إبليس في زمان أيوب يصعد إلى السّماء، سمع تحاديث الملائكة بصلاة أيوب، وذلك حين ذكره الله وأثنى عليه، فأدركه الحسد بأيوب، فصعد سريعا حتى وقف من السموات موقفا كان يقفه، وقال: إلهي؛ عبدك أيوب قد أنعمت عليه فشكرك، وعافيته فحمدك، ولم تجرّبه بشدّة ولا بلاء، وأنا لك زعيم لئن جرّبته بالبلاء ليكفرنّ بك.

فقال الله تعالى: انطلق؛ فقد سلّطتك على ماله، فانقضّ إبليس حتى وقع على الأرض وجمع عفاريت الجنّ وقال لهم: ماذا عندكم من القوّة؟ فإنّي قد سلّطت على مال أيّوب، وهي المصيبة الكبرى والفتنة التي لا تصبر عليها الرجال، فقال عفريت من الجنّ: أعطيت من القوة ما إذا شئت تحوّلت إعصارا من النار، وأحرقت كلّ شيء أتى عليه، فقال له ابليس: اذهب إلى الإبل ورعاتها، فذهب إلى الإبل فوجدها في المرعى، فلم يشعر الناس حتى ثار إعصار تنفخ منه السّموم، لا يدنو منه أحد إلاّ احترق، فلم يزل يحرقها ورعاتها حتى أتى على آخرها.

فلمّا فرغ منها تمثّل إبليس على قعود منها كراعيها، وانطلق إلى أيوب فوجده قائما يصلّي، فقال: يا أيوب؛ هل تدري ما صنع ربّك الذي اخترته وعبدته بإبلك ورعاتها؟ فقال أيوب: إنّها ماله أعارنيها وهو أولى به منّي إذا شاء نزعه، وقد وطئت نفسي ومالي على أنّهما للفناء.

فقال إبليس: إنّ ربّك أرسل عليها نارا فاحترقت هي ورعاتها، فصارت الناس مبهوتون يتعجّبون منهم، ويقولون: لو كان إله أيوب يقدر على أن يصنع شيئا لمنع عن إبل وليّه، وقوم منهم يقولون: بل إله أيوب هو الذي فعل ذلك، أشمت به عدوّه وتجمع به صديقه.

فقال أيوب: الحمد لله على ما قضى الله وقدّر، ولو علم الله منك أيّها العبد خيرا لتقبّل روحك مع تلك الأرواح، فيأجرني الله فيك وتموت شهيدا، ولكنه علم منك شرّا فأخّرك وخلّصك.

<<  <  ج: ص:  >  >>