للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فرجع إبليس إلى أصحابه خاسئا ذليلا، فقال لهم: ماذا عندكم من القوّة؟ إنّي لم أخرج قلبه، فقال عفريت: عندي من القوّة ما إذا شئت ضجت صوتا ما سمعه ذو روح إلاّ خرجت روحه، فقال إبليس: اذهب إلى الغنم ورعاتها، فانطلق إليهم، فلما توسّط الغنم والرّعاة صاح صوتا فماتوا جميعا.

ثم خرج إبليس متمثّلا براع من رعاتها إلى أيوب فأخبره بذلك، فحمد الله وقال له مثل ما قال في المرّة الأولى، فرجع إبليس إلى أصحابه ذليلا خاسئا وأمرهم إلى أصحاب الحرث والزّروع فأهلكوهم. وكان أيوب عليه السّلام كلّما انتهى إليه هلاك مال من ماله حمد الله وأثنى عليه ورضي بالقضاء، وألزم نفسه الصبر على البلاء حتى لم يبق له مال.

فلما رأى إبليس أن ماله قد فني، وأنه لم يصب منه حاجته صعد إلى السماء وقال: يا رب؛ إن أيوب يرى أنك ما أهلكت من ماله أخلفته عليه، فهل أنت مسلّطني على أولاده؟ فإنّها الفتنة المضلّة والمصيبة التي لا يقوم لها قلوب الرجال، ولا يقوى عليها صبرهم، فسلّطه الله على ذلك.

فانقضّ إبليس حتى جاء إلى أولاد أيوب وهم في قصورهم، فلم يزل يزلزله بهم حتى تداعى من قواعده، ثم جعل يرقبهم بالخشب والحجارة حتى مثّل بهم كلّ مثلة، ثم ذهب إبليس إلى أيوب متمثّلا بالمعلّم الذي كان يعلّمهم الحكمة وهو مجروح يسيل دمه ودماغه، فأخبره بذلك، فقال له: يا أيوب؛ لو رأيت بنيك كيف حالهم، منكّسين على رءوسهم يسيل دماغهم من أنوفهم، ولو رأيت كيف شققت بطونهم، وتناثرت أمعاؤهم لتقطّع قلبك عليهم، ولم يزل يردّد هذا القول حتى رقّ قلبه وبكى، فقبض قبضة من التراب ووضعه على رأسه، فاغتنم إبليس ذلك وصعد سريعا بالذي كان من جزع أيوب، ثم لم يلبث أيوب أن ندم على ذلك واستغفر ربّه، فصعدت الملائكة بتوبته فسبقوا إبليس.

فوقف إبليس خازيا ذليلا، وقال: إلهي هل أنت مسلّطني على جسده فإنّي زعيم لك إن سلّطتني عليه ليكفرنّ بك، فقال الله تعالى: قد سلّطتك على جسده، ولكن ليس لك سلطان على لسانه ولا على قلبه، ولم يسلّطه الله عليه إلاّ ليعظم له الثواب، ويجعله عبرة للصابرين، وذكرى للعابدين؛ ليقتدوا به في الصبر.

<<  <  ج: ص:  >  >>