للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

حضر إليه رجل منهم، وأظهر له أشياء من أفعاله اللطيفة، وحركاته الخفيفة حتى إنه وقف إلى جانب بناء مرتفع وارتفع والتصق به وارتفع حتى استوى على أعلاه؛ وصلاح الدين يظهر العجب من شطارته، وخفة حركته وقدرته على ما لا يقدر عليه مثله؛ فلما نزل خلع عليه وأكرمه وحمله على فرس وأقطعه إقطاعًا جليلًا، وقال له: اشتهي أن يكون عندنا جماعة منكم فإننا ما نستغني عنكم لنتوصل بكم.

إلى حصون الأعداء، فبقي ذلك اللرّي (١) يجلب له واحدًا بعد واحد ممن يقدر على هذا منهم؛ فكلما جاء واحد منهم أكرمه صلاح الدين وخلع عليه وأقطعه الإقطاع حتى لم يبق أحد منهم، وبقي مدةً لم يحضر أحدًا إلى صلاح الدين، فقال له: لأي شيء ما عدت جبت لها أحدًا، فقال: والله يا مولاي ما بقي أحد يقدر على هذا مثلنا؛ فلما تحقق صلاح الدين في ذلك أسرها في نفسه ثم جمعهم وأوقف خلف كل رجل منهم رجلًا وأومأ إليه فضربوا رقاب أولئك النفر؛ لأن صلاح الدين لما رأى ذلك فزع منهم على نفسه وخاف إن هو قتله وحده يبقى وراءه من يفعل مثل فعله فاحتال عليهم بذلك لئلا ينزل عليه أحدهم فيقتله به.

وأما ما يروى من مشي هذه الطائفة على الجبال المنصوبة على قامات من الأرض وانقلابهم عليها في الهواء حتى يصير رأس الرجل منهم منكوسًا إلى الأرض ورجله متعلقة بالجبل، ثم يستوي على قامته ثم يمشي على الحبل بالقبقاب ويلعب فوقها بالمخاريق ما تحار له الألباب، ويحال فيه إلى نوادر العجب العجاب. أن نساءهم يفعلن وتركضها أشدّ ركض ثم تطيح عنها في قوة جريها إلى الأرض ثم تثب عليها فيستوي على ظهرها ثم تصير حزامًا لبطنها ثم تترك صهوة الفرس وتعتنق العنق تارة من أعلاها، وتارة من تلقاء صدرها إلى غير ذلك من عجائب الأفعال، وغرائب الخفة في المجال.

ودأب من هو منهم في الشام أحد ما قدروا عليه، ووصلت أيديهم إليه. وقد عرف صبرهم على الضرب فما بقي يضرب أحد منهم إذا اتهم بل يحلف بستر الله ويقسم عليه به فيقر ويعترف ويردّ ما أخذ ويقول: نحن نأخذ قبيح، ونرد مليح. وقد


= ومفرج الكروب ١/ ١٦٨ وما بعدها. وترويح القلوب ٨٧، ٨٨ وحلى القاهرة ١٠٧ - ١٩٤ والإعلام، لابن قاضي شهبة - خ. والنجوم الزاهرة ٦/ ٣ - ٦٣ وشذرات الذهب ٤/ ٢٩٨ والفاطميون في مصر ٣٠٨ والشر فنامه ٨٠ - ٩١ و Huart i ٨٩ ومختصر تاريخ العرب والتمدن الإسلامي، لسيد أمير علي ٣٠٣ - ٣٢٠ ودوائر المعارف البريطانية والفرنسية والإسلامية، الأعلام ٨/ ٢٢٠.
(١) نسبة إلى الله واللار واللور، وهي من بلاد إقليم فارس، تقع قرب شيراز.

<<  <  ج: ص:  >  >>