للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال: ومن جملة عناية هذا السلطان، جَعْلُ بين قاعدتي ملكه، وهما دهلي، وقبة الإسلام في هذه الأماكن المعدة لإبلاغ الأخبار طبول، فحيثما كان في مدينة وفتح باب الأخرى، أو أُغلق تدق الطبل، فإذا سمعه مجاورهُ دَقَّ، فَيُعْلَمُ خَبَرُ فتح المدينة التي هو غاب عنها، وغَلْقَه في وقت الحاضر كل يوم بنوبة.

ولهذا السلطان مهابة تسقط لها القلوب، مع قربه من الناس، ولينه في كلامه وحديثه، وكل من أراد الوصول إليه، وصل إليه لا يُبعده عِظَمُ حِجَابٍ (١)، ولا عموم حجاب، وقد أدر الله في أيامه الأرزاق، وكثر المواد، وضاعف النعم، على أن الهند ما زال موصوفًا بالرخاء، معروفًا بالسخاء. حدثني الخُجْنَدِي، قال: أكلت أنا وثلاثة نفر رفاق لي في بعض بلاد دهلي لحمًا بقريًا وخبزًا وسمنًا حتى شبعنا بجيتل وهو أربعة فلوس (٢).


(١) حجاب: الحِجَاب الستر، والحجاب اسم ما احتجب به، وكُلُّ ما حال بين شيئين حجاب والجمع حجب، واحْتَجَبَ المَلِكُ عن الناس، ومَلِكُ مُحَجَّبٌ «لسان العرب ١/ ٢٨٩».
(٢) فلوس: الفلس معناه في اللاتينية، كيس النقود وقد أخذته اليونان من اللفظ اللاتيني (Follis) وأخذته العرب من اليونان، وقد ذكر المقريزي، في إغاثة الأمة ٦٦ - ٧٢: أن سبب ضربه، هو أنه كان في المبيعات مُحَقَّرات يقل ثمنها عن درهم، أو جزء من الدرهم، فهي لا تستحق أن تباع بأحد النقدين؛ الذهب أو الفضة، فوضعوا إزاءها نحاسًا يضربون منه قطعًا صغارًا سُمِّيَت (فلوسًا)، اشتهرت في مصر، والشام، وعراقي العرب والعجم، وفارس والروم قديمًا، وضُربت في مصر أيام الكامل الأيوبي (٦١٥ - ٦٣٥ هـ/ ١٢١٨ - ١٢٣٧ م) ثم تتابع ضربها بعد ذلك، يقول المقريزي: «وكانت الفلوس أولًا تعد في الدرهم الكاملي ثمانية وأربعون فلسًا، ويُقَسَّم الفلس أربع قطع تقام كل قطعة مقام فلس. يشترى بها ما يُشترى بالفلوس، فيحصل بذلك من الرفق لذوي الحاجات ما لا يكاد يوصف». وبعد سنة (٦٥٠ هـ/ ١٢٥٢ م)، أصبح كل فلس يزن (مثقالًا) والدرهم يُعَدُّ أربعة وعشرون فلسًا وفي سنة (٦٩٥ هـ/ ١٢٩٦ م) وزنت الفلوس بالميزان لخِفَّتِها، فأصبح الفلس زنة درهم، ثم أصبح الرطل من الفلوس بدرهمين، ويذكر القلقشندي في الصبح ٣/ ٤٣٩ - ٤٤٠، أنه أحدثت في سلطنة (حسن بن محمد بن قلاوون) سنة (٧٥٩ هـ/ ١٣٥٧ م)، فلوس اشتهرت بالجُدد، زِنَة كل فلس منها مثقال، وكل فلس منها قيراط من الدرهم، يقول القلقشندي: فجاءت في نهاية الحسن، وبطل ما عداه من الفلوس، وهي أكثر ما يتعامل به أهل زماننا ولكن هذه الفلوس أدخل عليها ما قلل قيمتها بعد ذلك، حيث أنقص وزنها عن المثقال، فأصبح منها ما هو دون الدرهم، وصار تكوينها غير مستدير، فأصبحت توزن كل مائة وثمانية عشر رطلًا بالمصري بمبلغ خمسمائة درهم، وقد حمل الناس الفلوس المضروبة من الديار المصرية، إلى الحجاز واليمن، وغيرها من الأقاليم. وهناك نوع من الفلوس غير مطبوع، عبارة عن نحاس مُكَسّر من الأصفر والأحمر، يقال لها (العتق)، وهي ما أشار إليها المقريزي، بأن زنة الرطل منها بدرهمين، ويذكر القلقشندي أنه عندما عملت الفلوس الجدد، استقر كل رطل منها بدرهم ونصف، وعندما ارتفعت أسعار النحاس، نفذت الفلوس من الديار المصرية، وخلط النحاس المكسور بالفلوس الجدد، وراج معها على مثل وزنها.

<<  <  ج: ص:  >  >>