وبين أمهات الأقاليم أماكن مقاربة بعضها من بعض شبيهة بمراكز البريد (١) في مصر والشام، ولكن هذه قريبة المدى بين المكان، والمكان بقدر أَرْبَعِ غَلْوَاتِ نَشَاب أو دونها، وفي كل مكانٍ عَشرة سُعَاة (٢)، ممن له خِفَّةٌ في الجَرْي، يحملُ الكُتبَ بَيْنَه وبين من يليه، إذا أخذ أحدهم الكتاب جرى به جَرْيًا قويًا بأشد ما يمكنه أن يشتد، وأقوى ما يمكنه أن يجري إلى أن يوصله إلى الآخر، فيجري كالأول، إلى المكان الذي يليه ويرجع حامله إلى مكانه على مَهْلِه، فيصل الكتابُ مِنْ المكان البعيد إلى المكان البعيد في أقرب الأوقات، أسرع من البريد والنجابة (٣).
قال: وفي كل مكان من هذه الأماكن المركزة، مساجد تقام بها الصلوات، ويأوى إليها السفار، وبرك ماء للشرب، وأسواق لبيع المآكل، وعلوفة الدواب، فلا يكاد يحتاج إلى حَمْل ماء، ولا زاد، ولا خيمة.
(١) مراكز البريد: هي «الأماكن التي تقف فيها خيل البريد لتغيير خيل البريدية فيها فرسًا بعد فرس» (الصبح ١٤/ ٣٧٢) وجاء في «التعريف أن البريد أربعة فراسخ، والفرسخ، ثلاثة أميال، والميل ثلاثة آلاف ذراع بالهاشمي، والذراع أربعة وعشرون إصبعًا، والإصبع أربع شعيرات ظهر واحد إلى بطن أخرى، والشعيرة أربع شعرات من ذنب بغل ومراكز البريد في عصر العُمري، مؤلف (مسالك الأبصار)، لم تكن على هذا القدر من المسافات؛ بسبب تفاوت الأبعاد تارة لبعد الماء، وتارة للأنس بقرية، كان - البريد معروفًا في عهد الأكاسرة؛ ملوك الفرس، والقياصرة؛ ملوك الروم. وفي الإسلام، أول ما نظم البريد في عهد معاوية بن أبي سفيان، عندما استقرت له الخلافة، واحتاج إلى سرعة وصول أخبار البلاد من مختلف أطرافها. فوضع له بعض دهاقين الفرس، وأهل أعمال الروم (البرد) واتخذوا لها بغالًا بإكف يسافر عليها البريد، وقيل إن ذلك تم في عهد (عبد الملك بن مروان). وفي نهاية الدولة الأموية، بسبب ما ساد البلاد الإسلامية من اضطرابات صاحبت سقوط دولة بني أمية، وقيام دولة بني العباس، انقطع البريد، ولم يُشَدّ له سرجٌ، أو تلجم له دابة طيلة أيام السفاح»، و «المنصور». وفي أيام «المهدي» نظم «البريد» ليأتيه بأخبار ابنه الرشيد الذي كان غازيًا لبلاد الروم، فقطع البريد بعد قفول الرشيد من جهة الروم، واستمر مدة خلافة المهدي. وفي أيام «الرشيد» نظم «يحيى بن خالد البرمكي» البريد على ما كان عليه أيام بني أمية فرتبت البغال في المراكز، وكان لا يُجَهّز عليها إلا الخليفة، أو صاحب الخبر، واستمر البريد طيلة أيام الدولة العباسية قطعه (بنو بويه) كي يخفوا عن الخليفة أخبار تحركاتهم، واستمر الأمر كذلك أيام السلاجقة، الذين استبدلوا البريد بالرسل بينهم على الخيل، والإبل، واتخذ الزنكيون النَّجَّابة، وأُعِدَّت لهم البُخْتُ المُنتخبة، وكذلك الأيوبيون، و «المماليك» حتى أيام الملك «الظاهر بيبرس»، فأعاد تنظيم البريد على ما كان عليه في الدولة الأموية. راجع تفصيل ذلك في «التعريف ٢٣٩ - ٢٤٢»، و «الصبح ١٤/ ٣٦٦ - ٣٧٠» و «نظم دولة سلاطين المماليك ١/ ٦٠». (٢) سعاة: جاء في «لسان العرب ١٩/ ١٠٧»: السَّعْيُ العدو، وسعى، عدا، وسعى إذا مشى، وسعى إذا عمل، وسعى إذا قصد. (٣) النجابة: النَّجيب من الإبل: العتيق، الذي يُسابق عليه، والنَّجِيْبُ من الإبل أيضًا القوي، الخفيف السريع، والمقصود بالنجابة، الذين يستخدمون هذا النوع من الإبل لنقل الأخبار والرسائل، أو إبلاغ المهمات، راجع «لسان العرب ٢/ ٢٤٥»، و «التعريف ٢٤١».