للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ونُوْرَةٌ (١) تُعْمَل خاصة (٢).

قال: ولا يَعِدّ أهل تلك البلاد كرامةً أبلغ منه، فإنه إذا ضَيَّف الرَّجُل الآخر وأكرمه بما عسى أن يكون من أنواع الأطعمة والأشوية، والحلاوات، والأشربة، والرياحين، والطَّيْبِ، ولا يحضر التَّنْبُول، لا يُعْتَدُّ له بكرامة، ولا يُعَدُّ أنه أكرمه. وكذلك إذا أراد الرئيس إكرام أحد ممن يحضره يناوله التنبول (٣). قلت: وهذا نظير مسك الأياق في ممالك أولاد جنكزخان (٤)؛ والأياق، هو قَدَح خَمْرٍ أَوْ تَمْرٍ يمسكه الكبير، لِمَنْ أراد إكرامه، أو الرجلُ، لِمَنْ أراد خِدمته، وهو أبلغ خدمةً عندهم وسيأتي بمشيئة الله تعالى ذكر هذا في موضعه.

وحَدَّثني العلامة سِرَاجُ الدِّين أبو الصفا عمر الشبلي، أنَّ هذا السلطان مُتَطَلِّع إلى معرفة أخبار ممالكه، وبلاده وأحوال مَنْ حوله من جنوده، ورعاياه، وأَنَّ له ناسًا يُسَمَّوْنَ المُنْهين (٥)، وطبقاتهم مختلفة؛ فمنهم من يُخالط الجند، والعامة، فإذا عَلِمَ ما يجب إنهاؤه إلى السلطان أنهاه إلى أعلى طبقةٍ منه، ثم يُنهيها ذلك المنتهى إلى آخر الأعْلَى الأَعْلَى إلى السلطان فأما أخبار البلاد النائية، فإن بين حضرة السلطان،


(١) نورة: يقال له أيضًا (الكلس)، و (الجير) أي كلس الصدف، وإذا لم يأخذ الكلس لم يحسن طعمه، ولم يخامر العقل»، راجع أيضًا «نفس المصدر ج ٤/ ٧٦ - ٧٧».
(٢) لأن كلًا من (التنبول)، و (الفوفل) مزدرع، أما (النورة) فتصنع من الحجر، الذي يُحرق ويسوى منه الكلس، أو من صدف الحيوان البحري، الذي يقال له (فروقس)، أو من رديء الرخام. «الجامع لمفردات الأدوية والأغذية ٤/ ٧٦»، و «لسان العرب ٧/ ١٠٣».
(٣) يذكر ابن بطوطة في رحلته ٤٥٩، أنه عندما قدم أحد الأمراء العباسيين، وهو غياث الدين محمد بن عبد القاهر بن يوسف بن عبد العزيز ابن الخليفة المستنصر بالله، على السلطان، أخذ التنبول بيده وأعطاه إياه، وهذا أعظم ما أكرمه به، فإنه لا يفعله مع أحد.
(٤) جنكز خان اسمه (تمرجين)، مجهول النسب عمل في بداية حياته لدى (أزبك خان) حتى غضب عليه وطرده من خدمته بسبب وشاية بعض أقرانه، فأخذ بجمع الأتباع، والأنصار، فانضم إليه بعض الأوزبك، وقدمه المغول عليهم سنة (٥٩٩ هـ/ ١٢٠٠٢ م) فحارب (أزبك خان) وقتله، وملك بلاده، هزم (الخطا)، وهزم (خوارزم شاه) وقتله، فاستولى على الممالك تركستان، وبلاد ما وراء النهر، وبلاد الجبل، وخراسان، وأذربيجان والعراق دون قوانينه وتشريعاته التي عرفت بـ (الياسا) فتمسك بها أبناؤه من بعده، يقول عنها ابن كثير: و «أكثرها مخالف لشرائع الله تعالى، وكتبه». توفي في رمضان سنة (٦٢٤ هـ/ ١٢٢٧ م) بعد أن خلف ستة من الأبناء.
راجع أخباره وأخبار أبنائه في تاريخ فاتح العالم جهانكشاي، وسير أعلام النبلاء ٢٢/ ٢٤٣ - ٢٤٤، والبداية والنهاية ١٣/ ١١٧ - ١٢١، والنجوم الزاهرة ٦/ ٢٦٨، وشذرات الذهب ٥/ ١١٣.
(٥) المنهين: جاء في لسان العرب (٢٠/ ٢٢٠): «الإنهاء الإبلاغ، وأنهيت إليه الخبر. فانتهى، وتناهى أي بلغ، وتقول: أنهيت إليه السهم أي أوصلته إليه، وأنهيت إليه الكتاب، والرسالة».

<<  <  ج: ص:  >  >>