قال خواجا (١) أحمد بن خواجا عمر بن مسافر (٢)، فيما حكاه عنه: إنه يجلس لقراءة قصص الناس عليه جلوسًا عامًا، ولا يدخل عليه من معه شيء من السلاح، حتى ولا السكين، إلا كاتب السرّ لا غير، والسلطان عنده سلاح كامل، حتى التركاش (٣)، والقوس، والنشاب (٤)؛ حيث قعد لا يفارقه سلاحه. قال: وهذا دأبه، دائمًا أبدًا (٥).
وأما ركوب هذا السلطان، فإنه يختلف؛ تارة يكون للحرب، وتارة يكون للانتقال في دهلي من مكان إلى مكان، وتارة يكون في قصوره، وأما إذا ركب إلى الحرب، فالجبال سائرة، والرمال سائلة، والبحار تتدفق، والبروق تلمع، وأمور تعتقد كذبها العيان، ويعتقل عن وصفها اللسان، وعن الفيلة من الأبراج مدينة، أو قلعة حصينة، ولا يَرَى الطَّرفُ إلا النَّقْعَ المُثار، ودُجَى ليل ممتد على النهار. وشعار السلطان أعلام سود (٦) في أوساطها تِنّين (٧) عظيم من الذهب، ولا يحمل أحد في الأعلام سوادًا إلا له خاصة، وفي الميمنة له أعلام سود، وفي الميسرة أعلام
(١) خواجا: لفظ فارسي من ألقاب أكابر التجار، ومعناه السيد، ونسبة المبالغة إليه (خواجَكُي) «صبح الأعشى ٦/ ١٣»، جاء في «محيط المحيط ٢٥٩»: أنها كلمة تجمل، يُلقب بها التجار ونظائرهم، أعجمية بمعنى معلم. (٢) عمر بن مسافر الخواجا ركن الدين أستاذ الأمير شيخو المتوفى في شعبان سنة ٧٥٨ هـ/ ١٣٥٦ م، وغيره من المماليك العمرية. توفي في ربيع الآخر سنة ٧٥٤ هـ/ ١٣٥٣ م، وذكره المقريزي في أحداث سنة ٧٥١ هـ/ ١٣٥٠ م عندما وفد مع صاحب حصن كيفا على الأمير شيخو في مصر، بعد غيبة طويلة، فَسُرّ به، لأنه هو الذي جلبه من بلاده، ونُسب إليه، فقيل: شيخو العمري «السلوك ٢/ ٣/ ٨١٥، ٩٠٦». «أيمن السيد». (٣) التركاش: هو الكنانة أو الجعبة التي توضع فيها النَّشَّاب، كتاب السلاح ٣١، والمخصص ٦/ ٥٦٩، و العصر المماليكي ٤٢٣. (٤) النشاب: هو ما يُرمى به عن القيسي (الفارسية)، وفي المقابل النيل، ما يرمى به عن القسي (العربية) «الصبح ٢/ ١٤٢». (٥) كل هذه الاحتياطات اتخذها (محمد طغلق شاه)، بسبب سياسة القمع والشدة التي مارسها مع أفراد رعيته فهو في قلق وخوف دائم من انتقامهم منه. (٦) لعل اتخاذ السلطان محمد تغلق شاه السواد شعارًا، له دلالته في ارتباطه وحبه للعباسيين. (٧) تنين: جاء في محيط المحيط ٧٤: التنين الحوت والحية العظيمة، وبياض خفي في السماء، يكون جسده في ستة بروج وذنبه في البرج السابع، دقيق أسود فيه التواء، وهو يتنقل تنقل الكواكب الجواري. كما جاء في «الموسوعة العربية الميسرة ٥٥٢»: ذكر في الأساطير بأنه حيوان يجمع بين الزواحف والطير، له مخالب أسد وأجنحة نسر، وذنب أفعى كثيرًا ما يتخذ شعارًا، أو رمزًا قوميًا.