محلات، لأهل كل طائفة محلة الجند في محلة، والوزراء والكتاب في محلة، والقضاة والعلماء في محلة، والمشائخ والفقراء في محلة، والتجار والكتاب في محلة. وفي كل محلة ما تحتاج إليه من المساجد والمواذن، والأسواق، والحمامات والطواحين والأفران وأرباب الصنائع من كل نوع، حتى الصواغ، والصباغين، والدَّبَّاغين حتى لا يحتاج أهل محلة إلى أخرى، في بيع ولا شراء ولا أخذ ولا إعطاء؛ لتكون كل محلة، كأنها مدينة مفردة قائمة بذاتها، غير مفتقرة في شيء إلى سواها، وليس في هذه المملكة خراب، إلا تقدير عشرين يومًا مما يلي غَزْنَة، لتجاذب صاحب الهند، وصاحب تُرْكِستان، وما وراء النهر (١)، بأطراف المنازعة، أو جبال معَطَّلة، أو شعراء (٢) مشتبكة ومتحصلات تلك من نبات العطر والأفاوية، والعقاقير الداخلة في أدوية الطب أعود نفعًا من الغلات المزدرعة بما لا يقاس.
قلت: وقد أوقفني، الفاضل نظام الدين يحيى بن الحكم (٣) على تأليف قديم في البلاد، وذكر فيه: إن جميع قرى المُلتان مائة ألف قرية وستة وعشرون ألف قرية مثبتة في الديوان، وهو ودِهْلِي في الرابع، ومعظم المملكة في الثاني والثالث، وكلها فسيحة، وبلادها صحيحة، إلا مزارع الأرز؛ فإنها وخيمة، وبقاعها ذميمة. وحكي في ذلك التأليف أَنَّ محمد بن يوسف الثقفي (٤) أصاب (٥) بالسند أربعين
(١) هو، نهر (جيحون)، أو (أمودريا). (٢) شعراء: الشَّعْرَاءُ الشَّجَر الكثير والشَّعْرَاء من الأرض ذات الشجر. «محيط المحيط ٤٦٩». (٣) يحيى بن عبد الرحمن الجَعْبَري، و (قيل الجعفري) الطياري البغدادي نظام الدين، المعروف بابن النور، الحكيم، أصله من بغداد، اشتغل والده بصناعة الكحل، كثر ماله، وأشغل ابنه يحيى، فتأدب وبرع في الموسيقى، وكتب الخط الجيد، وكان من كبار الخطاطين في عصره واتصل بالقان أبي سعيد، وكتب عنه الكتب بالعربية إلى مصر، وغيرها. قدم دمشق مع الوزير نجم الدين، ثم دخل القاهرة صحبته وخدم قوصون، ثم عاد إلى دمشق، توفي سنة ٧٦٠ هـ/ ١٣٥٩ هـ وقيل بعد ٧٧٠ هـ. ترجمته في: ابن قاضي شهبة، وفيات سنة ٧٦٠ هـ وقال: وفاته بهذه السنة أو في التي بعدها، الدرر الكامنة ٤/ ٤١٧، الموسيقى العراقية ٤٤ - ٤٦، الأعلام ٨/ ١٥٣. (٤) محمد بن يوسف الثقفي، أخو الحجاج، استعمله أميرًا على صنعاء، وضَمَّ إليه الجند، وما زال واليًا عليها إلى أن توفي سنة ٩١ هـ/ ٧٠٩ م وقيل سنة ٩٠ هـ/ ٧١٠ م. ترجمته في البداية والنهاية ٩/ ٨٠، والأعلام ٧/ ١٤٧، تاريخ خليفة بن خياط ٢٩٣، ٣١١، وتاريخ الرسل والملوك ٢/ ١٥٦، ٦/ ٤٩٨، تاريخ الإسلام للذهبي ٤/ ٥١، رغبة الآمل ٥/ ٣٠ و ٢٣٥، تاريخ الخميس ٢/ ١٣١٣. (٥) جاء في المسالك والممالك لابن خرداذبة ص ١٥٦: وسُمِّيت (المُلْتان). فَرْجَ بيت الذهب، لأن (محمد بن يوسف)، أخا الحجاج بن يوسف أصاب في بيت بها أربعين بَهَارًا ذهبًا، والبهار ثلاثمائة =