للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

القلوب بفتونه، وترفع في طبقاته، فرأى الدراري من دونه لمع بالتوشية برديه ووارى في التسوية النهار في وضوح ضحاه، وطيب أبرديه، وجارى البحر كلامه، فكأنه قذف له من الدر ما لديه، وولد فيه من التشبيه كل عقيم، ومن اللطائف ما يحسن على خدود الطروس عذاره الرقيم، ومن المعاني الواضحة الخفية ما يحكي الطرف الصحيح السقيم، وهو صاحب كتاب «سر الصناعة» ونقلة الآداب تمتاز منه، وتجلت البضاعة، وله مع أبي العلاء محاورات أجل من محاورة الحبيب، ومجاراة أمتع من مجاراة الشادن اللبيب.

وقد ذكر ابن العديم منه شذورًا وبلغ بها أماني كأنما وفي بها نذورًا.

وكان الخفاجي شيعيًا، مبالغًا في الغلو، لا بل رافضيًا، إن يريد في الأرض إلا الفساد والغلو، وفي شعره منه تلك التي تستك منها المسامع، وتستل دماء النفوس حسرات بها المدامع، ذكر فيها السلف الأول بما برأهم الله من عتابه، وبراهم لرد نباله الراشقة في جعابه، ولقد ذكر أبا بكر الصديق في معنى فدك بما يدرأ به هذا العظيم الفرية في سحره، ويرد به سهم هذا المنتصب عرضًا إلى نحره، ويرمي به شيطانه الأفيك يدخره، ويعاد به جلبه، ولو كان العنبر الورد إلى شجره.

فأما شعره، فما لا ينكر لؤلؤه لبحره (١): [من الكامل]

عَكَسَ الأنام فإن سمعت بناقص … فاعْلَمْ بِأنَّ لديهِ حَظًَّا زائدا

وتفاوت الأرزاق أوجب فيهمُ … أَنْ يَجعلُوهُ مَصالِحًا ومَفاسِدا

وقوله (٢): [من البسيط]

ومُكِبْرِينَ صَغيرًا مِنْ عُقُوقِهم … لمْ يركبوا الخيل إلا بعد ما كَبِرُوا

أخفوا بكيدِهم عُذرًا فما عبئتْ … سُمرُ الرماح بما هَمَّتْ بهِ الإبرُ

منها:

جَرَّبتُموهُ فأَفنتْكُمْ صَوارِمُهُ … ولوْ عَقلتُمْ كَفَاكُمْ دُونَهُ الخَبَرُ

وقد علا فوق أفلاك النجوم بها … فكيفَ يَلْحَقُ مَنْ فِي بَاعِهِ قِصَرُ

حدث ببأس بني حمدان في أممٍ … تَأتي فقد ظهرت في هذه النُّذُرُ


حقق ديوانه وشرحه مختار الأحمدي نويرات ونسيب نشاوي، ط مجمع اللغة العربية بدمشق ١٤٢٨/ ٢٠٠٧ م.
(١) من قصيدة قوامها ٣٣ بيتًا في ديوانه ١٥٩ - ١٦٦.
(٢) من قصيدة قوامها ٦٢ بيتًا في ديوانه ٩٧ - ١٠٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>