للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ (١) ولولا معرفة العباد معنى الحساب في الدنيا لما فهموا معنى الحساب في الآخرة.

وأما النصبة، فهي الحال الناطقة بغير اللفظ، والمشيرة بغير اليد، وذلك ظاهر في خلق السموات والأرض، وفي كل شيء، وكذلك قال الأول: سل الأرض فقل من شق أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك، فإن لم تجبك حوارًا أجابتك اعتبارًا.

وقال صالح بن عبد القدوس (٢): [من الخفيف]

إن تكن لا تُطيقُ رَجْعَ جَوابِ … فلقِدْمًا تَرَى وأَنتَ خَطِيبُ

واعظات وما وعظتَ بقول … مثل وعظ بالصمت إذ لا تُجيب

وقال بعض الحكماء: أشهد أن السموات والأرض آيات ودلالات، وشواهد قائمات، كل يؤدي عنك الحجة، ويشهد لك بالربوبية.

وقال خطيب من الخطباء حين قام على سرير الإسكندر وهو ميت: الإسكندر كان أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس.

وقال عنترة، وجعل نعيب الغراب خبرًا للزاجر (٣): [من الكامل]

حَرِقُ الجناح كأَنَّ لَحْيَيْ رأسِهِ … حلمان بالأخبار هش مُولَعُ

وقال أبو الرديني العكلي، وذكر تنسم الذئب الريح، وصدق استرواحه واستنشائه: [من الرجز]

يستخبر الريح إذا لم يسمع

بمثلِ مِقرَاع الصفا الموقع

وقال آخر: [من البسيط]

إنَّ السماء وإنَّ الأرضَ شاهدةٌ … والله يشهد والأيام والبلد

قال الجاحظ: ومتى دل الشيء على معنى فقد أخبر عنه، وإن كان صامتًا، وأشار إليه وإن كان ساكنًا. وهذا القول سائغ في جميع اللغات، ومتفق عليه مع إفراط الاختلافات.

وقال نصيب في هذا المعنى يمدح سليمان بن عبيد الملك (٤): [من الطويل]

أقولُ لِرَكب قافلين رأيتُهم: … قفوا ذاتَ أوشال ومولاك لاعب

قفوا خَبِّروني عَنْ سُليمان إنني … لمعروفه مِنْ أَهْلِ ودّان طالب


(١) سورة الإسراء: الآية ١٢.
(٢) ديوانه ١٣٣ رقم القطعة ٢٦.
(٣) ديوانه عنترة ٢٦٣.
(٤) شعره ص ٥٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>