والبخل اسم لما نقص عن الاقتصاد، والجبن اسم لما فضل عن شدة الاحتراس، والهرج اسم لما فضل عن الشجاعة.
وقال أبو الفضل بن العميد: ثلاثة علوم الناس كلهم عيال فيها على ثلاثة أنفس:
الفقه على أبي حنيفة؛ لأنه دون وخلَّد، وجعل من يتكلم به بعده مشيرًا إليه ومخبرًا عنه، والكلام فعلى أبي الهذيل، والفصاحة واللسن فعلى أبي عثمان الجاحظ.
وحدث يموت بن المزرع عن خاله الجاحظ قال: يُحب للرجل أن يكون سخيًا لا يبلغ التبذير، شجاعًا لا يبلغ الهرج، متحرسًا لا يبلغ الجبن، بطيئًا لا يبلغ العجز، ماضيًا لا يبلغ القحة، قوالًا لا يبلغ الهذر، صموتًا لا يبلغ العي، حليمًا لا يبلغ الذل، منتصرًا لا يبلغ الظلم، وقورًا لا يبلغ البلادة، ناقدًا لا يبلغ الطيش، ثم وجدنا رسول الله ﷺ قد جمع ذلك كله، في كلمة واحدة، وهي «خير الأمور أوساطها» فعلمنا أنه ﷺ قد أوتي جوامع الكلم، وعلم فصل الخطاب.
وقال أبو زيد البلخي: ما أحسن ما قال الجاحظ: عقل المنشئ مشغول، وعقل المتصفح فارغ.
وحدث المبرد قال: دخلت على الجاحظ في آخر أيامه، فقلت: كيف أنت؟
فقال: كيف يكون من نصفه مفلوج لو حُرَّ بالمنشار ما شعر به، ونصفه الآخر منقرس لو طار الذباب بقربه لآلمه، وأشد من ذلك نيفًا وتسعون سنة أنا فيها، ثم أنشدنا (١): [من الوافر]
أترجو أن تكون وأنت شيخ … كما قد كنت أيام الشباب
كذبتك نفسك ليسَ ثَوبٌ .. دَرِيسٌ كالجديد من الثياب
وحدث أبو محمد الحسن بن عمر النجيرمي قال: كنت بالأندلس، فقيل لي: إن هاهنا تلميذًا لأبي عثمان الجاحظ يعرف بسلام بن يزيد، فأتيته فرأيت شيخًا هرمًا، فسألته عن سبب اجتماعه بأبي عثمان، ولم يقع أبو عثمان إلى الأندلس، فقال: كان طالب العلم بالمشرق يشرف عند ملوكنا بلقاء أبي عثمان، فوقع إلينا شيء من كتبه، فخرجت لا أعرّج على شيء حتى قصدت بغداد، فسألت عنه، فقيل لي: بالبصرة، فانحدرت إليه، وسألت عن منزله، فأرشدت إليه، ودخلت إليه، فإذا هو جالس وحواليه عشرون صبيًا ليس فيهم ذو لحية غيره فدهشت فقلت: أيكم أبو عثمان، فرفع يده وحركها في وجهي وقال: من أين أنت؟ قلت: من الأندلس، فقال: طينة حمقاء، فما