وخير دليل لذلك الحفاظ البارزون الذين أنجبهم هذا العصر، من طبقة شيوخ العراقي، كالمزي والذهبي والعلائي وعبد العزيز بن جماعة، وطبقة أقرانه، كالحافظ ابن كثير وكابن رجب الحنبلي، وابن الملقن، وطبقة تلاميذه كالهيثمي وابن حجر العسقلاني والبوصيري، وأمثال هؤلاء ممن طبقت شهرتهم وعلمهم الآفاق، وتردد اسمهم في مسامع التاريخ، وأعادوا للسنة مجدها الغابر، سواء في مجال تحملها وأدائها بالسند على طريقة المتقدمين منذ عصر الرسول ﷺ، أو في مجال بحثها والتأليف فيها، بحيث صاروا عمدة لمعاصريهم، ومن جاء بعدهم حتى الآن، مباشرة أو بالواسطة، وقدمت مؤلفاتهم خير العوض والعزاء عما فقدناه من تراث المتقدمين، فعمرت بها أركان المكتبة الحديثية بعد خواء، وحفظوا لنا فيها أكبر قدر أتيح لهم من نتاج المتقدمين وآراء المعاصرين، وما تزال حتى اليوم في كل العالم مرجع الباحثين في السنة وعلومها والراغبين في الهداية والمعرفة.
وإليك بعض المظاهر التي تصور العناية بالسنة وعلومها حتى نهضت تلك النهضة في ذلك العصر الذي صارت فيه مصر - بحق - قاعدة لمنارة السنة في العالم، تؤازرها الشام والجزيرة العربية، فمن ذلك أن السلاطين والأمراء لم يقفوا عند توفير الإمكانيات المادية والكوادر العلمية السابقة، بل شاركوا بأنفسهم مشاركات رمزية في سماع الحديث وإسماعه لطلابه، حتى في بيوتهم الخاصة (١) وألفوا فيه بعض المؤلفات (٢).
(١) (ذيل ولي الدين ابن العراقي) وفيات سنة ٧٨٦ هـ ترجمة أبو المسك كافور الهندي الناصري. (٢) (تحفة الأحباب) لعلي السخاوي ورقة ٣٥ ب.