بعد سقوط بغداد (١)، وقد بلغت مدارس دمشق وحدها في عصر العراقي ثلاثمائة واثنين وعشرين مدرسة، عدا دور الحديث السابق ذكرها، وبقية المنشآت الجامعة بين العلم والعبادة من مساجد وخوانق وربط ورزوايا (٢)، هذا بالإضافة لما أنشئ في بقية مدن الشام التي أعيد تعميرها أيضًا بعد تطهيرها من الصليبيين، كالقدس وطرابلس وعكا، وغيرهم مما رحل العراقي إليه لطلب الحديث كما سيجيء.
أما مكة والمدينة حيث الحرمين الشريفين، فهما متعلق قلوب المسلمين وجامعتهم الكبرى، وما من حاكم مسلم إلا تمنى الإتصاف بأنه حامي الحرمين، ولذا اهتم المماليك وخاصة الناصر محمد بن قلاوون (٣) وكذا أفراد المسلمين، بإقامة المنشآت العلمية والخيرية في رحاب الحرمين، فضلا عن الأوقاف الكثيرة بمصر والشام على ذمتهما، وقد رحل العراقي لمكة والمدينة وجاور بها، دارسًا ومدرسًا وقاضيا للمدينة كما سيجيء. لكن رغم هذه النهضة الشاملة لكل الدولة، فإن مصر كانت في المركز الأول، ويليها الشام ثم الحجاز، ومرجع ذلك تحول أنظار العالم كله إليها حينئذ بعد أن أصبحت عاصمة دولة المماليك، وحامية الإسلام، ومقر الخلافة العباسية التي ظلت قلوب العالم الإسلامي متعلقة بها كرمز للعلم والدين والوحدة والجماعة، رغم الانفصال السياسي عنها (٤)، ويذكر السيوطي أنه
(١) «عصر الانحدار» ص ٥٦ - ٦٥. (٢) «خطط الشام» لمحمد كرد علي جـ ٦/ ٧١ و «شرح علل الترمذي لابن رجب» مقدمة التحقيق للدكتور همام سعيد جـ ١/ ص ١١. (٣) «عصر الانحدار» ص ٩٩. (٤) «السيد البدوي» للدكتور سعيد عاشور ص ٥٦.