الوجه الثاني: على التسليم بصحة الحديث، فالحديث المراد به الوصية عند الموت، ونحن متفقون معكم على أن الوصية لا تجوز بأكثر من الثلث، ويدل على ذلك: أنه لم يأت في الحديث ذكر للمرض أصلاً، فما الذي حملكم أن جعلتموه في المرض المخوف (١).
وأجيب: بأنه قال: " عند وفاتكم "ولم يقل: بعد وفاتكم، مما يدل على أن التبرع المقيد بالثلث إنما كان حال الحياة.
(٢٦٨) ٢ - وروى البخاري ومسلم من طريق عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي، فقلت: إني قد بلغ بي من الوجع وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال:«لا» فقلت: بالشطر؟ فقال:«لا»، ثم قال: الثلث والثلث كبير أو كثير (٢).
وجه الاستشهاد: أنه ﷺ لم يأذن له في الصدقة بأكثر من الثلث، مما يدل على أنه ممنوع من التصرف في الباقي (٣).
ونوقش: أن الحديث ليس في العطايا بل في الوصية، يدل على ذلك أمران:
الأمر الأول: ما جاء في بعض روايات الحديث: " أريد أن أوصي (٤)، فقلت: أوصي بمالي كله "(٥)، ونحن معكم في أن الوصية لا تجوز بأكثر من
(١) المحلى، مرجع سابق، ٨/ ٣٠٢، ٩/ ٣٥٥. (٢) صحيح البخاري في النفقات/ باب فضل النفقة على الأهل (٥٣٥٤)، ومسلم في الوصية/ باب الوصية بالثلث (٤٢٩٦). (٣) المحلى ٨/ ٣٠١، المنتقى ٦/ ١٥٧. (٤) صحيح البخاري -كتاب الوصايا/ باب الوصية بالثلث (٢٧٤٤). (٥) صحيح البخاري - كتاب الوصايا/ باب أن يترك ورثته أغنياء خير من أن يتكففوا الناس (٢٧٤٢).