وأما الحنابلة فإنهم في كثير من المواضع لا يُسلِّمون بمنافاة الشرط لمقتضى العقد، فمن ذلك أن ابن قدامة ﵀ لما ذكر أدلة الجمهور في المنع من شرط المرأة على زوجها عدم الزواج، ذكر من جملة الأدلة أن هذا الشرط «ليس من مصلحة العقد ولا مقتضاه، ولم يبن على التغليب والسراية، فكان فاسدًا، كما لو شرطت أن لا تسلم نفسها»(١)، ثم قال في الجواب عليه:«قولهم: ليس من مصلحته، قلنا: لا نسلم ذلك، فإنه من مصلحة المرأة، وما كان من مصلحة العاقد كان من مصلحة عقده؛ كاشتراط الرهن والضمين في البيع»، فجعل هذا الشرط بنحو اشتراط الرهن من جهة عدم اقتضاء العقد له. ولما ذكر ابن قدامة أيضًا أقسام الشُّروط ذكر القسم الثالث، وهو:«ما ليس من مقتضاه، ولا من مصلحته، ولا ينافي مقتضاه، وهو نوعان، أحدهما: اشتراط منفعة البائع في المبيع … »(٢)، والملاحظ أن الحنابلة يصرحون بأن اشتراط المنفعة لا ينافي مقتضى العقد، بل نصَّ البهوتي ﵀ على أنَّ شرط منفعة البائع في البيع من الشُّروط الموافقة لمقتضى العقد (٣). وتقدَّم أنَّ الحنفيَّة يصرحون ببطلان الشرط؛ لعدم اقتضاء العقد له.
وبالجملة فكل المذاهب -حتى الحنابلة- (٤) يستدلون لفساد بعض الشُّروط بمنافاتها لمقتضى العقد، غير أن المذاهب تتفاوت في تحديد مقتضيات العقود، فما يراه الحنفيَّة أو الشافعيَّة مقتضًى للعقد لا يسلم به في كثير من المواضع الحنابلة، والمالكيَّة وسط بين الطرفين.
(١) المغني (٧/ ٩٣). (٢) المغني (٤/ ١٧٠) بتصرُّف. (٣) انظر: الروض المربع بشرح زاد المستقنع (٢/ ٢٢٠). (٤) يقول ابن تيمية ﵀ «أحمد قد يعلل أحيانًا بطلان العقد بكونه لم يرد فيه أثر ولا قياس، كما قاله في إحدى الروايتين في وقف الإنسان على نفسه، وكذلك طائفة من أصحابه قد يعللون فساد الشروط بأنها تخالف مقتضى العقد ويقولون: ما خالف مقتضى العقد فهو باطل» مجموع الفتاوى (٢٩/ ١٢٧).