وقال عليه أفضل الصلاة والسلام:«لا تفضلوني على يونس بن متى»(١)؛ ليبين ما ينبغي من عدم التعرض إلى الميز بين مقامات الكبار من قبل الأنفس، وإليه الإشارة إن شاء الله بقوله ﵇:«لا تفضلوني»، ولم يقل: لستُ فاضلا.
وقد أشكل الحديث على كثير من الناس، وحاولوا الجواب عنه بأمور مقبولة، وأمور مردودة، ولو تأملوا لفظة:«تفضلوني» لانزاح الإشكال، فالمنهي أنا نحن نُقدّم على التفضيل من قِبل أنفسنا، لا أنَّا نعتقد ما هو الواقع من تفضيل ربه إياه على يونس وغير يونس من الأنبياء والملائكة، عليهم أجمعين سلام الله ورحمته، فهذا الجواب عن أصل التفضيل.
وأما تخصيص يونس ﵇ بالذكر من بين سائر الأنبياء ﵈، فللناس فيه كلام كثير لسنا له الآن، ومقصدنا أنَّ ما ذكره الشيخ الإمام من هضمه لنفسه؛ دينا وتورعًا، وتعليمًا لولده وتربية، لا يدل على غير ذلك، وهو القائل في كتاب «عقود الجمان في عقود الرهن والضمان»(٢) - بعد ذكر مباحث قررها - ما نصه، ومن خطه نقلته: «وهذا الكلام أعلى (٣) وأبهى من أن نقوله لغالب أبناء الزمان، المشمرين عن ساق الجد في الاشتغال، فضلًا عن غيرهم، وإنما نُعطي العلم حقه من
(١) رواه البخاري (٤٦٣١)، ومسلم (٢٣٧٧)، بلفظ: «ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى»، وجاء في حاشية ١: (متى اسم أبيه، صرح به بعضهم، لا أمه كما توهمه آخرون). (٢) الكتاب لم يزل مخطوطاً. (٣) في ظ ٢: (أغلى).