وبالجملة هذا الرجل كان من أحبار (١) هذه الأمة علما ودينا، فهما ونقلا، ورعا وتحريا، جبلا من الجبال في الذكاء وحسن التصرف، فتاحا لأبواب المباحث، معروفًا بتحقيق المشكلات وكشف عوارها، بحرا من البحار في حفظ الكتاب والسنة، وأقوال السلف، ومذاهب العلماء، قيّما بمذهب الشافعي، يكاد يأتي على نصوصه حفظاً، وعلى مقالات أصحابه المتقدمين والمتأخرين، متضلّعاً بكلّ علم، لا يُعرف علم بين الناس إلا وقد كان يقال: إنه فرد زمانه فيه، تقيًّا نقيًّا، ورِعًا متحريا، ذا همةٍ عليَّة، ونفس أبيَّةٍ في نصر الحق والدعوة إليه، وكلُّ هذا الذي نقوله لا يشك فيه معدود من الناس.
ومن بلغه أن لعالم من العلماء - وإن لم يصل إلى هذا المقام، فضلا عن الواصل إليه - كلاما في حادثة وقعت، وأقدم على الفتيا فيها من غير أن يتأمل مغزاه، ولا ينظر فيما قاله وما تمسك به = فهو جريء، هجوم، غير موثوق بدينه، ولا هو من طالبي الغايات، ومحبي التحقيقات في شيء.
فإن قلت: يا هذا، الشيخ الإمام أعرفُ منك بنفسه، وقد قال لك فيما حكيت (٢) لنا: أنا عن العلم بمعزل، وأنه أحقر في نفسه من أن يُنسب إلى غلمان واحد من المذكورين = في «الطبقات»، ونهاك أن تُطريه (٣)، وحذرك وعنفك، وشيخك هو القائل لك في أجوبة سؤالات سألته عنها، فذكرت أنت أنَّ جواب ابن عبد السلام في مسألة ذكرتها عنه إقناعي: «الأدب مع الشيخ عز الدين:
(١) في ص: (أخيار). (٢) زاد في ظ ٢: (عنه). (٣) في ظ ٢: (عن نظيره).