هذا، وعندي أن من شروط الفتيا إذا وقعت حادثة، وبلغ المفتي أنَّ لِعالم أهل للنظر والمناظرة فيها كلاما؛ أن ينظر في كلامه، فلعله يجد هناك مساعًا لشيء غاب عنه، فلا أشك أنَّ هذا شرط من شروط الفتيا، لا أُجَوِّزُ لمفت أن يُفتي دونه متى جُوّز أن يكون في كلام ذاك المتكلم ما لعله يغيب عنه مما يجب اعتباره، ومن جوز أن يكون عند نازل في أخريات البلدة (١) أو أُخريات الإقليم كتاب أو سنة في حادثة وقعت له، ثم أخذ يُخَرِّجُها بذهنه، ولا يستفحص ما عند ذلك الرجل؛ فهو أَخْرَق، قليل الدين، كثير التهاون.
فإن قلت: اعتقادكم أنه لم يخلق الله في هذه الأعصار مثله، مع تجويزكم على نفسكم الميل الذي يجرُّ إلى غير الحق؛ مما لا يجتمعان.
قلتُ: الاعتقاد واقع لا محالة، لا سبيل لي إلى دفعه عني، والميل واقع لا محالة، لا حيلة لي في انصرافه مني، ولا استحالة في اجتماعهما، فرُبَّ معتقد أمرًا يجوز في أسبابه ما ليس بواقع، وهذا يجده الإنسان في الأمور الوجدانيات فضلا عن (٢) الاجتهاديات، فإنك تجد العطش من نفسك، وتجوز في أسبابه أموراً قد يكون بعضها هو الواقع دون بعض.
فإن قلت: إذا جوزت على نفسك مداخلة الميل المقتضي لخطا في الاعتقاد، فقد تطرق ذلك إلى شك في الاعتقاد، وهو مع الجزم لا يجتمع.
قلتُ: تجويز مداخلة الميل لا يلزم منه اعتقاد دخوله ولا ظنُّ دخوله في هذا الأمر بخصوصه، وإنما هو احتمال أرجو أن لا يكون داخل في هذا الكتاب (٣).
(١) في ز: (البلد). (٢) زاد في ز: (الأمور). (٣) في م،: (المكان).