وتدعون خلاف قوله، غير ناظرين إليه (١)، بحيث خَشِينا عليكم غائلة (٢) الإطراء، وطرقنا إليكم سوء الظن، لولا جانب المسامحة والإغضاء، وجوزنا عليكم كل عصبية أمدتها عروق البعضية، ودعتها حمية الجاهلية، وما رأينا تلميذا فعل مع أستاذه في هذه الأعصار المتأخرة ما فعلتم أنتم في حق أبيكم، وقد أنذرناكم الوقيعة - بهذا السبب - فيكم.
قلتُ: تمهل قليلا، واسمع لما أقوله وإن كان عليك ثقيلا، واعلم أني أخاف على نفسي، وأخشى أن يكون لميل الولد إلى والده، والتلميذ إلى أستاذه، والمعتقد في معتقده مدخلاً داخلني في بعض ما أصف الشيخ الإمام ﵀ به (٣).
ولقد اتفق لي من تعظيمه نحو ذلك في حياته، فأنكره علي، وذلك الإزجار (٤) من موجبات خوفي على نفسي، فإني كنتُ قد تخلَّفتُ عنه ليلةً من الليالي، وبات هو في بيته، وبتُّ أنا في المدرسة (٥) لأمر اقتضى ذلك، كان مني فيه ما يكون من تدلّل الولد على أبيه، ثم لعظيم اعتقادي فيه، وخشيتي من تشوش خاطره علي، أدركتُ نفسي في أثناء الليل برسالة كتبتها إليه، من جملتها:«إني أعتقد أنك في رتبة سفيان الثوري، ومحمد بن إدريس الشافعي وأمثالهما، وإني أعتقد أنك من الأولياء»، في كلماتٍ كثيرة ذكرتها، وقلتُ في آخرها: «أشتهي
(١) في ز، م: (إناءَهُ). (٢) في ظ ٢: (غاية). (٣) قوله: (به) زيادة من م، ك. (٤) كذا في ظ ١، ظ ٢، وفي بقية النسخ: (الإنكار). (٥) صورتها في ظ ١: (المقادسة)، والمثبت من سائر النسخ، ولعله اسم مدرسة بدمشق، وقد كان للمقادسة مدارس بها، كالمدرسة الشيخية العمرية التي أنشأها كبير المقادسة الشيخ أبو عمر.