الإمام يسمعنا من داخل، فلما خرج قال: لِمَ شَتَمَتَهُ؟ فقلتُ: ما قلتُ إلا حقًّا، أليس هو بكلب ابن كلب؟
فقال: هو كذلك، إلا أنك أخرجت الكلام في مخرج الشتم والإهانة، ولا ينبغي ذلك، فقلت: هذه فائدة: لا يُنادى مخلوق (١) بصفته إلا إذا لم يخرج مخرج الإهانة.
واعلم أن ما دار بيني وبين الشيخ الإمام من البحث، وما سمعته منه من الفوائد في أصناف العلوم لا سبيل لي إلى حصره لكثرته، فقد كان بيني وبينه من ذلك صباحاً ومساءً، ليلا ونهارًا، نومًا ويقظةً، سفرًا وحضرًا، صحةً ومرضا، قيامًا وقعودًا وعلى جنب؛ لكثرة ملازمتي له = ما يطول شرحه، ولا يتذكر إلا بحدوثِ وقائعه أو ما يُشبهها، ولم أورد إلا ما يحلو سماعُه، وتخف كتابته، فليقع الاكتفاء به، وبالله التوفيق.
فإن قلت: ما ادعيتم من بلوغ الشيخ الإمام - غفر الله له ولكم - درجة الاجتهاد المطلق مردود بقول الغزالي في «الوسيط»: «وقد خلا العصر عن المجتهد المستقل»(٢)، وهذا لم ينفرد به، بل سبقه إليه القفال شيخ الخراسانيين، وذكره الرافعي والنووي عن «الوسيط» ساكتين عليه.
قلت: قد نظرتُ في هذا الكلام غيرَ مرَّة، وفكرتُ فيه، فظهر لي أنه ومن سبقه إليه إنما أرادوا: خلا عن مجتهد قائم بأعباء القضاء، فإنه لم يكن يلي القضاء في زمانهم مرموق ولا منظور إليه بكبير علم، بل كانت جهابذة العلماء منهم
(١) في ظ ١، ٢، س: (أحد)، والمثبت من بقية النسخ. (٢) انظر: الوسيط: (٧/ ٢٩١).