وفيه قول النبي ﷺ:«والذي نفسي بيده، ما أخرجني إلا الجوع»، وقد خرَّجه ابن حبان في «صحيحه» قبل هذا الحديث، ولكن لعله يقول: إنَّ النبيَّ ﷺ لم يَقُل فيه: ما أخرجني إلا جوع لحقني، وإنما قال: ما أخرجني إلا الجوع، وأشار إلى جوعهم (١).
وبالجملة إن عَسُر تأويل أنَّه ﷺ كان يجوع، وادُّعِيَ أنَّ كثرة الأخبار الواردة فيه ظاهرةٌ جدًّا فيه = فهو جوع اختياري لا اضطراري، ومعنى قولنا: اختياري أنه كان قادرًا على أن يطرده عن نفسه، إما بأن تنصرف عنه شهوة الطعام والشراب مع بقاء القوة بإذن الله، وقد اتفق ذلك ببركته ﵇ الخلق من أمَّته، وإما بتغذية الله له المغنية عنهما كما اتفق له في الوصال، وإما بتناول الغذاء، وكان ﷺ يجوع تارةً، والجوع حينئذ أفضل في حقه، ويشبع أخرى، والشَّبَعُ حينئذ أفضل في حقه، هذا هو الذي يظهر (٢).
سمعت الشيخ الإمام يقول: من الخلاف الغريب الذي لا يكاد يوجد: حكاية الشافعي عن بعض أهل الكلام أن الصلاة على الفور، كما قال بذلك خلق في الحج، وأن تأخيرها عن أول الوقت معصية، وذكره في «النوادر الهمدانية»(٣).
سمعت شيخي يقول: «ظنَّ بعض الضَّعَفَة إمكان وقوع حَجَّتين في سنة، بأن يبيت بمزدلفة إلى نصف الليل من ليلة النحر، ثم يأتي إلى مكة فيطوف، ثم يرجع إلى عرفة قبل الفجر وقد أحرمَ بحَجَّةٍ أخرى، وهذا غلط؛ لأنه قد بقي عليه بقيَّةُ أعمال الحج من الرمي وغيره، ولا يجوز له أن يُحرم بنُسُكِ وهو مشتغل
(١) انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي: (٣/ ١٣٣). (٢) انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي: (٣/ ١٣٣). (٣) انظر: نهاية المطلب: (٤/ ١٦٢).