للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

قلت: وهذا حق؛ فإنَّ من جاءت إليه مفاتيح خزائن الأرض وأباها، وكان مع ذلك قادرا على تناول ما فيها كل لحظةٍ كيف يُوصَف بالعدم؟ ونحن لو وجدنا من له مال جزيل في صندوق من جوانب بيته؛ لَوَسَمْناه بسمة الغناء (١) المفرط، مع العلم بأنه قد يُسرق، أو تغتاله غوائل الزمان فيصبح فقيرًا، فكيف لا يُسمَّى من خزائن الأرض بالنسبة إليه أقرب من الصندوق بالنسبة إلى صاحب البيت، وهي في يده بحيث لا تتغير، بل هو آمِنٌ عليها بخلاف صاحب الصندوق (٢)؟

فما كان فقيراً من المال ولا مسكيناً قط، نعم، كان أعظم الناس جوارًا إلى ربه وخضوعاً له، وأشدهم في إظهار الافتقار إليه والتمسكن بين يديه.

وقد قال الإمام الجليل أبو حاتم بن حبان في «صحيحه» عند كلامه على قوله : «إني (٣) لستُ كأحدكم، إني أطعم وأُسقَى» (٤) ما نصه: «في هذا الخبر دليل على أن الأخبار التي فيها ذُكِر وضع النبي الحجر على بطنه كلها أباطيل، وإنما معناها الحجز لا الحَجَر، والحُجَزُ هو طرف الإزار؛ إذ الله ﷿ كان يُطعم رسول الله ويسقيه إذا واصل، فكيف يتركه جائعا مع عدم الوصال حتى يحتاج إلى شدّ الحجر على بطنه؟! وما يُغني الحجَرُ عن الجوع؟!» (٥).

قلت: ولم يكن ابن حبان ليذهب عنه حديث: «خرج أبو بكر بالهاجرة»،


= ولو كان غنيا بالمال، تمسكاً بقوله : «اللهم أحيني مسكينًا، فليحرّر».
(١) كذا ضبطها بكسر الغين ورسمها بالمد في ظ ١.
(٢) انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي: (٣/ ١٣٤).
(٣) قوله: (إني) زيادة من ز.
(٤) رواه الترمذي (٧٧٨).
(٥) انظر: صحيح ابن حبان (٨/ ٣٤٥)، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي: (٣/ ١٣٣).

<<  <   >  >>