رسول الله ﷺ، وإبطالاً للتبني في الإسلام، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ أي: مِنْ أبوين في الإسلام، إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ﴾، إلى أن قال: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤، ٥](١).
ثم ساق الله تعالى السورةَ إلى أن قال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] تحريض على امتثال أمره تعالى في طلاق امرأة زيد، ثم قال تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، يعني: من أمر زيد بطلاق امرأته وتزوجك أنت إيَّاها، لا من محبتها، معاذ الله، ثم معاذ الله، ثم معاذ الله.
ثم بيَّنَ الله تعالى بالقول الصريح بعد التعريض الطويل أنَّ السر في ذلك إبطال التبني ونسخه (٢)، ورفعه بالقول والفعل؛ ليعلم الناس أنه لو كان ولدًا له لما تزوَّج امرأته، فقال تعالى: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَا بِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، ثم قال تعالى بعده: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِّجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠].
فمن تأمل السورة، وعرف شيئًا من حال رسول الله ﷺ تيقن بالعلم القاطع أن تزوج امرأة زيد إنما كان لذلك لا لغيره، وأنه ﷺ كان أكره الناس - بالطباع البشرية - لزواجها، عكس ما توهمه الغزالي، وكان يشق عليه ذلك، وما كان ليُمكنه أن يخفي شيئًا مما أنزله الله، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ
(١) انظر: الشرح الكبير: (٧/ ٤٥٣، ٤٥٤)، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي: (٢/ ١١٦)، النجم الوهاج: (٧/ ١١٧). (٢) في ظ ١، ظ ٢: (ومسحه)، والمثبت من بقية النسخ.