أفصح من نطق بالضاد، وأسمح من روى كل صاد، وكثر القليل فلا يقول: ما زاد إلا ما نقص، ولكن ما نقص إلا ما زاد، كان نبيًّا وإنَّ آدم لمنجدل في طينته، وختمت محامد إبراهيم بـ ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣]، فكان ذلك رِفعةً لأَبَوِيَّتِه، ولو كان موسى حيًّا لما وسعه إلا اتباع ملته، وإذا نزل عيسى فلا يحكم إلا بشريعته.
جبينه الأزهر، ووجهه الأنور، وحوضه الكوثر، ميمون نقيبة (١)، ولد مختونا، مختوم السُّرَّة، ساجدا الله، معتمداً على يديه، خمدت بمولده نار فارس، وانكسر إيوان كسرى، وغاضت بحيرة ساوة، وفاض وادي سماوة، وحرست السماء بالشهب من كل شيطان.
حبيب الله وصفيه، الشفيع المشفّع، الشريف النفس والأصل والمحتد، عُرضت عليه كنوز الأرض فأباها، وقنع بأن يشبع يوما ويجوع يوماً، وعَبَدَ الله حتى تورمت قدماه، مع كونه أقرب الخلق وأوفرهم عنده حظا وقسماً، وهو الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق، والمعلن الحق بالحق، والدامغ جيشات الأباطيل، حمل فاضطلع بأمر الله، مستوفزاً في مرضاته، لغير نكل في قدم، ولا وهن في عزم، داعياً لوحي الله، حافظاً لعهده، ماضياً على نفاذ أمره، حتى أورى قبسا لقابس، آلاء الله تصل بأهله أسبابه به هديت القلوب بعد خوضات الفتن والإثم، موضحات الأعلام، ونائرات الأحكام، ومنيرات الإسلام، فهو أمين الله المأمون، وخازن علمه المخزون، وشهيده يوم الدين، وبعثته نعمة، ورسوله بالحق رحمة (٢)، من نسي الصلاة عليه خطئ طريق الجنة، ومن سلّم عليه سلّم.
(١) ميمون النقيبة هو الذي ينال الظفر حيث توجه. انظر: تهذيب اللغة (٩/ ١٦١). (٢) قوله: (وهو الفاتح لما أغلق … ورسوله بالحق رحمة) زيادة من ز، ك، ص، م.