إذا اجتهد أجرين، وللمخطئ أجرًا، فإن لم يكن كلُّ مجتهد مصيب فلكل مجتهد نصيب من عطاء سيد المرسلين، وسبيل يصل بها إلى شفاعته يوم الدين.
فهو صاحب الشفاعة، أترونها للمؤمنين المتقين؟! لا، ولكنها للمذنبين المتلوثين الخطّائين، فهو أعلى العالمين قدرًا، وأنفذهم نهيًا وأمرًا، والذي فتح الله به عيونًا عُميًا، وآذانا صُمَّا، بعد أن عمتها (١) الضلالة دهرا، والذي إذا كرعت العلماء من (٢) مناهل علمه قالوا: إن وجدناه لبحرًا، وإن شرعت الحكماء (٣) في التقاط كلامه علموا أنه الذي يقذف درا.
أرسله الله إلى قوم بدلوا نعمة الله كفرًا، فوصل لهم القول لعلهم يتقون أو يُحدث لهم ذكرًا، فدعاهم إلى الله سرا وجهرا، وصبر على أذاهم، وهو مع ذلك يرحمهم فيقول (٤): «اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون»(٥)، كأنه يقيم لهم عُذرا، يصفح عن مسيئهم، ويجزي بالحسنة عشرًا، ومن صلى عليه واحدةً صلى الله عليه عشرا.
كريم على ربه، جعلت له الأرض مسجدًا وطهورًا، وزويت له مشارقها ومغاربها، فبلغ ملك أمته ما زُوي له منها، وظهر دينه فيها ظهورا، وغفر الله له ما تقدَّم (٦) وما تأخر، ولم يترك الجد والتشمير، وقال:«أفلا أكون عبداً شكورا»(٧).
(١) في ز، ك، م، ص: (بعدما أعمتها). (٢) صورتها في ظ ١: (مؤ)، والمثبت من سائر النسخ. (٣) في ظ ٢: (العلماء). (٤) زاد في ظ ٢: (مع ذلك). (٥) رواه البخاري (٣٤٧٧). (٦) زاد في ك: (من ذنبه). (٧) رواه البخاري (١١٣٠).