للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

نزاعًا لا يقف عند غاية، ولا يؤول إلى رجوع منقطع لمستظهر في مجلس النظر، بل هي كما كان القاضي أبو حامد المروروذي (١) يُنشِد حين يسمع تراجع المتناظرين في مناظراتهم، وتنازع المتكلمين في محاوراتهم، ثم انفصالهم وكل مصمم على مقالته، باق على حالته:

وَمَهْمَةٍ دَلِيلُهُ مُطَوِّحُ … يَدْأَبُ فِيهِ الْقَوْمُ حَتَّى يَطْلَحُوا

ثُمَّ يَمُرُّونَ كَأَنْ لَمْ يَبْرَحُوا … كَأَنَّمَا أَمْسَوْا بِحَيْثُ أَصْبَحُوا

نعم، وكان يرى أن ما خاض فيه الأولون فقد كَفُوا المؤنة غالبًا فيه، وأما م لم يجر لهم فيه نظر فقد تعين عليه القيام به، فإنه كان - فيما يُظهر من حاله، لا فيما يُفصح به بمقاله - يعتقد أنَّ أهل عصره محجوجون به، متعيّن عليهم الانقياد لأقواله وأفعاله، حتم عليهم التقيد بما يأمر عن الله، وعليه أن يبذل الجهد في فتاويهم كما عليهم أن يبذلوا الجهد في متابعته، وما هو بمفوت ما أوجب الله عليه إذا فوتوا هم - أو بعضُهم - ما أوجبه الله عليهم من متابعته، فكانت إذا جاءته فتيا أفرغ ليلته لها من أجل ذلك.

ومن ثم كان يقول عند ذكره قول الفقهاء: لا ينقض قضاء القاضي في الاجتهاديَّات المختلف فيها: «إنما يُطلَق «المختلف» على ما فيه خلاف لمن تقدم، وأما ما يقع لنا من صور المسائل، وتتجاذب الآراء فيها؛ فلا يقال: إنها من المختلف فيه، بل ينبغي أن يُنظر فيها، فإن اتضح دليل عليها اتبع، وإلا فلا، وإن حكم حاكم فيها بحكم ولم يكن عليه دليلٌ؛ ينبغي جواز نقضه، وإن كان عليه دليل لم ينقض» (٢).


(١) في ق: (المروذي)، وفي ص: (المروزي).
(٢) انظر: الأشباه والنظائر للسبكي: (١/ ٤١١).

<<  <   >  >>