للفتيا نظراً آخر، كما فعله في مسألة المزارعة والمخابرة.
قال في «شرح المنهاج»: «وردت سُنَّتَانِ: السنة التي لا مدفع لها في المساقاة، والسنة بالنهي عن المزارعة والمخابرة، ردَّهما بعض الناس وقَبِلَهُما الأكثرون، فرأى الشافعي أنَّ الوقوف مع السنن أولى وأسلم، وقال: لا تُردُّ إحدى سنتيه ﷺ بالأخرى، يعني: سنته في تجويز المساقاة، وسنته في منع (١) المزارعة والمخابرة، ولا شك أن هذا أسلم المذاهب».
ثم ذكر مذاهب الأئمة الباقين، ثم قال:«ورأي الحسن والأوزاعي اتباع القياس في إلحاق غير المنصوص به، فأجاز المزارعة، والمخابرة، والمناصبة، ودَفْعَ الشاة للراعي ببعض ما يخرج منها من لبنها، ونحو ذلك»، قال: «وما عدا هذين المذهبين يصعب (٢) مأخذه؛ لأنه إما أن يخالف أثرًا أو قياسًا، ولا يستمر على قاعدة»، قال:«ولا يُثلج صدري في هذه المسألة بشيء؛ لأنها في غاية الإشكال عندي؛ فلذلك لم أُقْدِم على اختيار شيء، وكيف أخالف الأئمة الأربعة أو الثلاثة مع هذه الإشكالات؟!»، انتهى كلامه ملخصاً.
فانظر كيف وقف، ثم بعد ذلك في أواخر عمره صنف كتابًا سماه «الطريقة النافعة في الإجارة والمساقاة والمزارعة»، وكان سبب تصنيفه إياه مسألة وقعت عندي في المحاكمات بعد ما استخلفني على نيابته في الحكم، فسألته عنها، فصنف هذا التصنيف، وقال فيه:«لم أجسر في شرح المنهاج» على مخالفة الأئمة الأربعة في المخابرة؛ لأني كنت لم أتتبع جُملة الأحاديث وأقوال السلف
(١) قوله: (منع) ليس في ظ ١، ظ ٢، والمثبت من بقية النسخ. (٢) في ظ ٢: (يضعف).