للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

تاما، ثم زاد عليه النووي زيادةً جيدة، وكان قصدهما -رحمهما الله- إرشاد الخلق، والإتيان بما يناسب الزمان، فإنَّ العلم وإن لم يُعدَم بالكلية فقد قل، وصار المفتون نقلةً عن الكتب في الحقيقة، فبينا لهم الراجح نقلا ونظرًا عندهما.

فبان بهذا أنَّ اعتناء المتأخرين - وإن قصرت مراتبهم عن المتقدمين - بإبانة التصحيح (١) أَكْثَرُ، فكان لذلك اتباعهم أولى، ولذلك لا نقول في ترجيحات ابن الرفعة ما نقوله في ترجيحات هؤلاء الثلاثة؛ لأنه وإن كان جَبَلَ فِقْهِ إلا أن شوقه الأعظم إلى ما كان عليه المتقدمون، فلم يُعنَ غالبًا ببيان الراجح من الخلاف، ولم يشتغل بذلك إلا قليلا، وكانت نفسه عنده أرفع من هذا المقام، ثم لم يكن عنده من علم الحديث ما كان عند النووي، ولا ما كان عند الشيخ الإمام، فإنه وإن اعتنى بمتون الأحاديث عند تصنيفه فلم يكن مثلهما فيه، والسلام.

حكى لي الوالد أن ابن الرفعة كان يحضر إلى مجلس الحافظ الدمياطي في كثير من الأحايين للاستفادة منه، قال: «وبينا نحن في درس الظاهرية بين يدي الدمياطي إذا بالفقيه - يعني شيخه ابن الرفعة - قد أقبل، فأجله الحاضرون، وقام الدمياطي منتصبا، فجلس الفقيه أمامه بين يديه كالتلميذ، وكان الشيخ الدمياطي في المحراب، فأشار إليه الدمياطي أن يأتي إلى جانبه، فأبى وقال: بل أستقبل القبلتين، فاستحسن ذلك منه».

قال: «وكان حضوره ليسأله عما يقع له في الحديث، فلم يكن يكتب ما يُشكل عليه منه حتى يحضر من مصر إلى القاهرة، ويسترشد الدمياطي». وهذا دليل علمه ودينه وتحريه، وواضح أنه لم يكن في الحديث مثل هؤلاء، وفي هذا كفاية.


(١) في ز، ك، م: (الصحيح).

<<  <   >  >>