للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

الأمر عندهم مستقرا على شيء؛ لتضلّعهم بالعلم، فمن ثَمَّ ما كان المصنفون يكلونهم إلى تصحيحاتهم، بل يشتغلون عن الترجيح (١) بذكر المآخذ، وفتح أبواب الاستنباط والمباحث، من غير اعتناء بما هو الأرجح، إنما كُلُّ ينظر لنفسه، فلما قل العلم، وأشرف على التبدُّد، واحتيج إلى ضَرْب من التقليد، وأن الفقيه يتبع من هو أفقه منه وإن تشاركا في أصل النظر = اعتني بالراجح.

فإن قلت: قد ألفينا للشيخ أبي علي تصحيحات، وكثرت تصحيحات صاحب «التنبيه»، ولو تتبع متتبع تصحيحات المتقدمين لألفى منها الكثير.

قلت: صحيح، غير أنَّ التصحيح لم يكن مقصودهم الأعظم، ولا مرادهم الأهم، ولن تستطيع أن تقول: إن أكثر ما يحكون من الخلاف مذكور فيه التصحيح (٢)، وما نجد من ذلك فلا يكاد يبلغ العشر، والفوراني وإن كان التزم في «إبانته» التصحيح فما استوعب ولا كاد، ولا على كل ما صحح الاعتماد (٣)، وما اعتنى به إلا من بعد هؤلاء، ممن قصر نظرًا في نفسه عمَّن تقدمه، فاعتنى صاحب «التهذيب» بذلك شيئًا كثيرًا، ثم تصدى قاضي القضاة أبو سعد بن أبي عصرون لذلك، فصحح الكثير من الخلاف، وسمعت الوالد يقول: «كان الناس - شاما - ومصرا وعراقا - لا يُفتون إلا بترجيحه، ولم يزالوا كذلك حتى ظهر كتاب الرافعي».

قلتُ: ولمَّا أحب الرافعي - الذي هو سيد المصنفين - جمع شمل هذا المذهب، وما جاء إلا وقد فقد الناس أصحاب الوجوه = اعتنى ببيان الراجح اعتناء


(١) في ٢: (التصحيح).
(٢) في ز، ك، م: (الصحيح).
(٣) قوله: (والفوراني وإن كان … ما صحح الاعتماد) زيادة من ز، م.

<<  <   >  >>