فيه بين المقالتين تفاوت أنَّ اتباع الأكثر أولى، وإنما نمنع تقيد من هو أهل للترجيح به، مع قدرته على الترجيح بالاعتبار والنظر، وبذلك صرح أيضا (١) ابن الصلاح والنووي وغيرهما، فقالوا فيمن هو أهل أن يتعرف الأرجح من النصوص والمآخذ والقواعد، فإن فقد ذلك نقله عن الأصحاب الموصوفين بهذه الصفة.
وأما إذا تعارض قول الأكثر والأقل عند غير متأهل، والأكثر متقدمون، والأقل متأخرون = فهذا عندنا موضع النظر، والأرجح عندي في حق من ليس بأهل: اعتماد المتأخّرِ إن عُلِمَ أنه اطلع على مقالة المتقدم ومأخذه وموافقة الأكثر له ثم خالفه، فإنه - إن شاء الله - إنما خالفه والحالة هذه لمُقْتَض أقوى من الاعتضاد بالأكثر.
فإن قلت: لم حجرتم على العامي ومن يفتي بالمنقول أن يتعدى ترجيح المتأخّرِ، ومِن ثَمَّ قلتم: يُقدَّم ترجيح الشيخ الإمام على ترجيح النووي لتأخره، وترجيح النووي على ترجيح الرافعي، وترجيح الرافعي على صاحب «التهذيب»، وهلم جرا؟!
هذا مساق قولكم، وقد يقال: بل الأعلم أولى، والأقدَمُ غالبًا أَعْلَمُ، فهلا نظرتم ترجيحات الشيخ أبي حامد، والقفال، والقاضي أبي الطيب، والشيخ أبي علي، والقاضي الحسين، وهذه الطبقة التي لم يخلق الله تعالى بعدها أفقه نفسا منها، ولا أقعد بمذهب الشافعي!
قلتُ: اعلم أنَّ المتقدمين لم يكن شوقهم إلى الترجيح من الخلاف، ولا اعتنوا ببيان الصحيح، وسبب ذلك أنَّ العلم كان كثيرًا، وكان كُلٌّ عند الفتيا يفتي بما يؤدي إليه نظره، وقد يؤدي نظره اليوم إلى خلاف ما أدى إليه أمس، فما كان