قلت: إنما يعني - فيما أحسب - الأصح نقلا، ثم الغالب أن نظره يوافق ما رجحه نقلاً، وربما صرح فضم إلى الأصح نحو ما أسمعناك من الألفاظ، وربما اكتفى بذكر الأصح وتبرأ عن عهدة النظر، وربما خالف فأتى بنحو ما داناه (١) أيضا من الألفاظ.
فإن قلت: أله قدوة في إطلاق الأصح مع كونه لا يراه راجحاً في نظره؟
قلتُ: الباز الأشهب، عَلَمُ المذهب، أبو العباس ابن سريج، ألا تراه صحح رواية الربيع: أن السيد إذا كاتب عبده المجنون، ونقد المال المسمى؛ أنه يعتق، ويثبت التراجع بالقيمة، وصحح أبو إسحاق رواية المزني أنه لا يثبت التراجع، قال المحققون من أئمتنا - منهم إمام الحرمين (٢) -: لم يصحح أبو العباس ما رواه الربيع فقها ولكن نقلاً؛ لأنه رآه أوثق في النقل، مع علو قدر المزني، وما استرابوا في ميل منقول الربيع عن قاعدة المذهب (٣)، وأنَّ القياس منقول المزني.
فإن قلت: قد قال الرافعي في أوائل صلاة الجماعة في إمامة الرجل بالنساء: «لكن لا يجوز أن يخلو بهنَّ»(٤)، مع قوله في أواخر العدد:«إنّ الحكاية عن الأصحاب جواز خلو رجل بامرأتين ونسوة إذا كن ثقات»(٥)، فمنعه في صلاة الجماعة مع اعترافه في العدد بأن الأصحاب على الجواز مخالفة للأصحاب قاطبةً، فضلاً عن أكثرهم.
(١) كذا في م، ص، وفي ز، ك: (ذكرنا). (٢) نهاية المطلب: (١٩/ ٣٦٦). (٣) كذا في م، ص، وفي ز، ك: (الفقه)، وساقط من ظ ١، ظ ٢. (٤) الشرح الكبير: (٢/ ١٤٣). (٥) الشرح الكبير: (٩/ ٥١٤).