المشرقة» من أنَّ الشيخين لم يتقيدا بالأكثر، ويحكي لنا مجلسه في ذلك مع ابن العطار تلميذ النووي، في سنة سبع وسبعمئة بدمشق، وقوله له:
- لِمَ اتَّبَعَ شيخُك ترجيح الأكثر؟
وقول ابن العطار في جوابه:
- لأن المذهب نقل، والنقل يُرجّح بالأكثر.
ثم ردَّ الشيخ الإمام عليه بما ذكره في كتاب «الطوالع»، وقوله:
- لا أتباعهما للأكثر بواقع، ولا هذا لو اتَّبَعَا الأكثر بجواب.
ثم الآن جدَّدتُ النظر، والذي يَرْجَحُ عندي: أنَّ الخلاف إن كان من الطرق فلا بأس بالترجيح بالأكثر؛ لأنَّ الطرق محض نقل، فلا يُستبعد أن يُرجح فيه بالكثرة كالرواية، وبهذا يندفع ترجيح طريقة البناء المذكورة في هذا السؤال؛ لأنَّ الأكثر - كما نقل الرافعي - على التبعية، لا سيما وقد ذكروا أنه المنصوص، فهذا نقل مجرد خالٍ عن التفقه، فهو رواية محضة، ومن ثم رجح ابن أبي عصرون الطريقة القاطعة بجواز رهن المدبر؛ لقول الغزالي:«إنَّ أكثر الأصحاب عليها»، وإن كان غير موافق على ذلك، مع كونه لم يتقيد بالأكثر.
وإن لم يكن من الطرق، فإن كان من المسائل المولدة بعد الأكثر، أو من بعضهم، ويُعنى بذلك: ما ليس للأكثر فيه كلام = فلا شك أنه لم يتقيد بالأكثر في ذلك واحد من الثلاثة، ولا غيرهم ممن سبقهم إلى التصدي للترجيح كابن أبي عصرون وغيره، وكيف يتخيَّل ذلك ولا أكثر؟! وكذلك المسائل التي تكلم الأكثرون فيها، غير أنه لا أكثر في أحد الطرفين، بل الطرفان متوازيان.