والاستنباط، وكتب المذهب - والله الحمد - بين أيدينا، ولا يعجز كثير من فقهاء وقتنا (١) أن يكشف عن هذه المسائل، ويحيط علما يقينا بالجانب الذي عليه الأكثر.
قلتُ: دعويان (٢) ممنوعتان، لا الشيخان يتقيدان بالأكثر، ولا الشيخ الإمام يدعي إذا خالفهما أنهما خالفا الأكثر، إلا فيما لعلهما خالفا فيه الأكثر من غير تقيد منه أيضًا بالأكثر، وقد قال هو في كتاب «الطوالع المشرقة»: «إنهما لم يتقيَّدا بالأكثر»، ونقلنا نحن عنه ذلك في كتاب «التوشيح».
فإن قلت: قد قال الشيخ الإمام في «باب الرد بالعيب»، عند الكلام في تبعية الحمل:«إنَّ الرافعي عدَلَ عن طريقة البناء على أنه هل يقابل بقسط من الثمن؛ لأجل تصحيح الأكثرين التبعية»، والأمر كما قال، إذ قال الرافعي ما نصه:«وقضيَّة المأخذ الأول أن يكون الأصح اختصاص الرجوع بالأم؛ لأنَّ الأصح أنَّ الحمل يُعرف، وكذلك ذكر بعض شارحي «المفتاح»، إلا أنَّ الأكثرين مالوا إلى ترجيح القول الآخر، كما رجحه صاحب الكتاب، وذكروا أنه المنصوص، فليوجه بالمأخذ الثاني»، انتهى (٣).
وهذا يدلُّ على أنَّ الرافعي يتقيد بالأكثرين، وأن الشيخ الإمام يعرف منه هذا، فكيف ساغ له أن يقول في «الطوالع المشرقة»: «إنه لم يتقيد بالأكثر»؟
قلت: اعلم أني كثيرا ما كنت أسمع الشيخ الإمام يقول ما ذكره في الطوالع
(١) في ز: (زماننا). (٢) ضبطها في ظ ١ بالياء والتاء معا. (٣) الشرح الكبير: (٥/ ٤٨).