قوة عند ذي العرش مكين، فليفهم الفاهم ما يُلقى إليه.
فإن قلت: حسبانك أنَّ الزمان بمثل أبيك عقيم، هل عليه دليل قويم، أو هو من وساوس الشيطان الرجيم، وتخرص على الغيب ذميم؟
قلت: بل هو ظن وهاجس أوقعه الله في النفس، إن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، وأما قولك:«تخرص على الغيب» فهل تعتقد أيها السائل أنَّ الزمان عقيم بمثل الشافعي وأبي حنيفة، بل بمثل الإمام، والغزالي، أو لا (١)؟
فإن قلت: لا أعتقد ذلك، بل يقرب عندي وجود مثلهم، فلا كلام لي مع من هذا مبلغ عقله (٢)، ولقد أعظم الفرية على الله جهول هذه مقالته.
وإن قلت: بل هذا بعيد، فالذي سوّغ لك استبعاده ثم لم تعتقده تخرُّصا على الغيب سوغ لي أنا أيضا مثله، ولستُ لا أنا ولا أنت بقائلين: إنَّ ذلك ممتنع على القدرة - معاذ الله - بل إنه أمر لم تَجْرِ به العادة.
فإن قلت: إنما سوغ لي استبعاد مثل أولئك لما مضى عليهم من الزمان المديد، ولم نجد مثلهم، فقسنا ما سيأتي على ما كان.
قلتُ: وهذا الرجل نحن على قطع بأنه لم يُخلق بعد الغزالي نظيره، لسنا من ذلك في شك، فنحن في الحقيقة قد اعتبرنا فيه كما اعتبرت أنت في الغزالي، فكما اعتقدت أنه لا يجيء للغزالي (٣) نظير؛ لأنه ما جاء له نظير منذ مات،
(١) في ك، ص: (أولى). (٢) في ز: (علمه). (٣) في ز: (بعد الغزالي).