للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

بالهين، إنما هي دماء تُسفَك وتُسفَح، وأعراض تُهتك وتفضح، وأبضاعٌ تُحلَّل وتنكح، وصدور تضيق أو تُشرَح، وقلوب تُكسر أو تُجبر وتُفسح، وأموال يُباذل بها ويُسمح، ونظام وجودٍ يُفسد أو يُصلح، وأماناتٌ تُنزع أو تودع، ومقادير تُرفع أو تُوضع، وأعمال يشهد على الله أنها صالحة أو طالحة، وكرَّةٌ يحكم بأنها خاسرة أو رابحة، وأن ذلك كله في الحقيقة منسوب إلى الله، إليه يعزوه، وعنه يقوله، وعلى نفسه ينادي بأنه الشرع الذي جاء به عن الله رسوله .

وهو القائل في مسألة أنَّ القاضي لا يُحلّف ولا يُطلب بيمين: «قد كنت أكاد أُمسك عن الفتيا في ذلك؛ خشية أن يداخلني فيه شيء؛ لكوني قاضياً، ثم لم أقدم حتى رأيتُ خطي بذلك من نحو أربعين سنة»، هذا أو ما يؤدي معناه، سمعناه منه وشاهدناه.

ولما أذن لي بالفتيا ناولني رقعة وقال: اكتب عليها، فلما أمسكت القلم قبض على يدي وقال: «أمسك؛ فإنك لا تدري أين يؤديك قلمك»، ثم قال: هكذا فعل معي شيخي لما أذِنَ لي، وقال لي شيخي: «هكذا فعل معي شيخي»، فهذا شأنه في تحريه.

ثم أنا لا أقول: يُحجَر على من لم يصل إلى هذه الرتبة، فإنا نحسب أنَّ الزمان عقيم بها، ولن نقطع على الله، بل أقول: من وصل إلى عشر معشاره علما ودينا، فدونه ومقالبة (١) المتقدمين، والخوض معهم في بحار الفتيا، أما من لم يُدانِ هذا المقام بعشر المعشار - وهم غالب علماء وقتنا هذا - فتعساً لهم وضلالاً مبينا، ثم هوانا بهم إن حدثتهم أنفسهم باقتحام مخالفة الأولين من غير نظر متين، (٢) من ذي


(١) في ك: (مقالة) بلا واو.
(٢) في ص: (مبين).

<<  <   >  >>