فهذه حاله معه، وكان ﵀ كثير الأدب مع الماضين والقيام بحقهم، عفيف اللسان، طاهر القول، كثير التعظيم لهم بظاهره وباطنه، حافظا للأدب معهم، وهذا شأن العلماء مع أكابرهم، وبذلك حُفِظُوا، وبورك في أعمارهم وعلومهم، وعليه مضوا كراما مشكورين، رزقنا الله اقتفاء آثارهم الصالحة.
ثم ليت شعري، من ذكر هؤلاء الذين سبقوا الوالد في الزمان، وليس كلامنا إلا مع من عاصره ومن جاء بعده، فالذي نعتقده ولا نتحاشى من ذكره، ونعتقد المخالف فيه جهولًا أنه كان بالنسبة إلى علماء زمانه كالنجم بالنسبة إلى سكان الأرض، والذين جاؤوا بعد زمانه دون الذين كانوا في زمانه بكثير، فقد كان زمانه الذي كان فيه مشحونا بالعلماء في أصناف العلوم، ما من صاحب فن منهم إلا وهو معترف بأنه لا يدرك له غبارا في ذلك الفن.
فإن قلت: قولكم: «ليس الكلام إلا مع من عاصره أو جاء بعده»، يعود بالنقض على قولكم:«إِنَّ ترجيحه مُقدَّم على ترجيح الشيخين: الرافعي والنووي»؛ فإنهما قبله، وقد قضيتم بأنَّ الحق المبين: اتباعه ومخالفتهما لمن لم يكن من أهل النظر والبصر.
قلت: لتأخر زمانه عنهما، ونظره في مآخذهما، وقدرته على الترجيح كما بيناه، وهي قاعدة مطردة في كل متأخر شارك المتقدم في القدرة على الاستنباط والترجيح، إذا نظر فيما نظر فيه المتقدم، وأحاط بما ذكره في المسألة، ثم أقدم على مخالفته، فيكون إذا كان بهذه الصفة أولى منه بالاتباع، وفي نحو هذا قال إمام الحرمين - وقد عيَّن تقدم الشافعي على السابقين من المجتهدين -: «هذا