فسرت حتى دخلت الفرما (١) فوجدت في الجامع قاصا يذكر قصة زكرياء والمنشار، وأن الله تعالى أوحى إليه حين نشر، فقال: إن صعدت إلى منك أنة لأمحونك من ديوان النبوة، فصبر حتى قطع شطرين، فقلت: لقد كان زكريا صبارا إلهي وسيدى لئن ابتليتني لاصبون، وسرت حتى دخلت انطاكية قرآني بعض إخواني، وعلم أني أريد الثغر فدفع إلي سيفا وترسا وحربة، فدخلت الثغر وكنت حينئذ أحتشم من الله تعالى أن أتوارى وراء السور خيفة من العدو، فجعلت مقامي في غابة أكون فيها بالنهار، وأخرج بالليل إلى شاطئ البحر فأغرز الحربة على الساحل وأسند الترس إليها محرابا وأتقلد سيفي وأصلي إلى الغداة، فإذا صليت الصبح غدوت إلى الغابة، فكنت فيها نهارى أجمع، فغدوت في بعض الأيام فعثرت بشجرة فاستحسنت ثمرها، ونسيت عقدي مع الله وقسمي به إني لا أمد يدي إلى شيء مما تنبت الأرض، فمددت يدي فأخذت بعض الثمرة، فبينا أنا أمضغها ذكرت العقد فرميت بها من فى وجلست ويدى على رأسي، فدار ب فرسان، وقالوا لي: قم فأخرجوني إلى الساحل، فإذا أمير وحوله خيل ورجالة (٢) وبين يدية جماعة سودان كانوا يقطعون الطريق وقد أخذهم وافترقت الخيل في طلب من هرب منهم، فوجدوني أسود مع سف و ترس وحربة، فلما قدمت إلى الأمير، قال: أيش أنت؟ قلت: عبد من عبيد الله، فقال للسودان تعرفونه؟ قالوا: لا، قال: بلى هو رئيسكم وإنما تفدونه بأنفسكم لأقطعن أيديكم وأرجلكم، فقدموهم ولم يزل يقدم رجلا رجلا ويقطع يده ورجله حتى انتهى إلي فقال: تقدم مد يدك فمددتها فقطعت، ثم قال: مد رجلك فمددتها ورفعت رأسي إلى السماء، وقلت: الهي وسيدى يدى جنت ورجل اش عملت فإذا بفارس قد وقف على الحلقة ورمى بنفسه إلى الأرض، وصاح: أيش تعملون تريدون أن تنطبق الخضراء على الغبراء، هذا رجل صالح يعرف بأبي الخير، فرمى الأمير نفسه وأخذ يدي المقطوعة من الأرض وقبلها وتعلق بي يقبل صدري ويبكي ويقول: سألتك بالله أن تجعلني في حل، فقلت: قد جعلتك في حل من أول ما قطعتها هذه يد قد جنت فقطعت.
قال المصنف ﵀: فانظروا رحمكم الله إلى عدم العلم كيف صنع بهذا الرجل، وقد كان من أهل الخير، ولو كان عنده علم لعلم أن ما فعله حرام عليه وليس لإبليس عون على العباد والزهاد أكثر من الجهل.
(١) اسم موضع. (٢) مفرده راجل، وهو الذي يمشي على رجليه.