والثاني: أنه لا يمكنه القضاء إلا بمعاونة غيره، وعسى يُعينه غيره، وضع لا يعينه.
هذا ما ذكره الصَّدر الشَّهيد في "شرح الخَصَّاف"، وذكر الخَصَّاف عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من سأل القضاء وُكِلَ إلى نفسه، ومن أُجبِرَ عليه نزلَ عليه مَلك يسدِّدُه"(١).
ثم ذكر في معنى الحديث عن أنس: لأن من سأل القضاء اعتمد فقهه وورعه وذكاه، فصار مُعجَبًا فلا يُلهم الرُّشد، ويُحرم التوفيق. وأما مَنْ أُكْرِه على القضاء فقد اعتصم بحبل الله: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١].
وذكر الخَصَّاف عن مسروق أنه قال: لَأن أقضي يومًا واحدًا بحقٍّ وعدلٍ أحبُّ إليَّ من سنة أغزوها في سبيل الله (٢). وذكر الحسن أنه قال: لأجر حكم عدْل يومًا واحدًا أفضل من أجر رجل يصلِّي في بيته سبعين سنة (٣).
قال الصَّدر الشَّهيد: إن المسروق والحسن ابتُليا بالقضاء، ومن ابتُلي بشيء يروي في ذلك الباب ما يرجع إلى محاسن ذلك الشيء، كان مسروق والحسن من كبار التابعين.
ذكر الصَّدر الشَّهيد عزوًا إلى "النوادر" عن أبي حنيفة قال: من كان من أئمة التَّابعين وأفتى في زمن الصَّحابة، وزاحم في الفتوى، وسوَّغوا لهم الاجتهاد فأنا أقِّلده، مثل شريح، والحسن، ومَسروق بن الأجْدَع، وعَلْقمة. وهذا لأنهم لمَّا بلغوا
(١) رواه أبو داود (٣٥٧٨)، والترمذي (١٣٢٣) وقال: حسن غريب، وابن ماجه (٢٣٠٩). (٢) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٢٢٩٦٠). (٣) رواه ابن زنجويه في "الأموال" (١٥)، والدِّيْنَوَري في "المجالسة وجواهر العلم" (١٥٩٨).