للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

يختار لهذا الأمر الجليل إلَّا من هو أصلح النَّاس، وأعلمهم، وأورعهم، وأكملهم، كما اختار الله تعالى لرسالته، صفوة كل عالم، (ورئيس كل جيل) (١)، وأفضل أهل كل زمان، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]، ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٧]، ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢]، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (٢) [الأنعام: ١٢٤]، وقد كانت الصحابة لا يولُّون الأحكام جاهلًا ولا فاسقًا، [ولا ماجنًا، ولا مَنْ يُطعَن في دينه ودنياه.

ثم اختلفوا في جواز دخول القضاء؛ منهم من قال: يجوز الدُّخول فيه مختارًا؛ لأنَّ الأنبياء والرُّسل اشتغلوا به، وقد دخل فيه وجوه الصحابة والتَّابعين، ودخل فيه رجال صالحون من الأئمة المجتهدين، ومشايخنا المتقدمين. ومنهم من قال: لا يجوز الدُّخول فيه إلا مُكرَهًا؛ ألا ترى أنَّ أبا حنيفة دُعي إلى القضاء ثلاث مرات فأبى، حتى ضُرِبَ في كلِّ مرة ثلاثين سوطًا، فلما كان بالمرة الثالثة قال: حتى أستشير أصحابي، فاستشار أبا يوسف، فقال: لو تقلَّدْتَ القضاء نفعْتَ الناس، فنظر إليه نظر المغضب (٣)، وقال: أرأيْتَ لو أُمرْتُ أن أعبر البحر سباحة أكنْتُ أقدر عليه؟! كأني بك قاضيًا، وكذا دُعِيَ محمَّد إلى القضاء حتى قُيِّدَ وحُبِسَ، فاضطر إليه فتقلَّد.

والصحيح أنّ الدخول في القضاء مختارًا رخصة، والامتناع عزيمة؛ فلوَجْهَين: أحدهما: أنّ القاضي مأمورٌ بالقضاء بالحقِّ، وعسى يظنُّ في الابتداء أنه يقضي بحقٍّ، ثم لا يقضي في الانتهاء.


(١) ساقطة من: ع.
(٢) ساقطة من: ع.
(٣) أ: الغضب.

<<  <  ج: ص:  >  >>