وأنَّه كتبَ بعد موتِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ويحتملُ أنْ تكون مجازاً بأنَّه أمر من يكتب (١)، ويحتملُ أنْ يكونَ من نقلَ عنهُ أنَّه كتبَ استند إلى / ٢٧٥ب / قولهِ:((حفظتُ عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - جِرابينِ ... )) (٢) الأثرَ، وهذا لا يدلُّ على كتابتِهِ حقيقةً، فإنَّه محمولٌ على أنَّ علمهُ نوعانِ: منه ما يُبلِّغهُ، ومنه ما يخشى الفتنةَ من تبليغِهِ، ويحتملُ أنَّه يريدُ أنّ كل نوعٍ منهما لو كُتبَ لكانَ ملءَ (٣) جرابٍ، ويحتملُ أنْ يكونَ مكتوباً مَحشوَّاً في جرابٍ حقيقةً، ولكنْ بخطِّ غيرِهِ، والله أعلم.
قولهُ:(لخوفِ اختلاطِهِ بالقرآنِ)(٤)، أي: بسبب أنَّه لم يكن اشتدَّ إلفُ الناسِ له، وكثرَ حُفَّاظُهُ والمعتنونَ به، فلما ألفَهُ الناسُ وعرفوا أساليبَهُ وكمالَ
بلاغاتِهِ، وحسنَ تناسُبِ فواصلِهِ وغاياتِهِ، صارتْ لهم ملكةٌ يميزونَهُ بها عن غيرِهِ، فلم يُخشَ اختلاطُهُ بعدَ ذلك (٥).
قولهُ (٦): (وخيفَ اتكالُهُ)(٧) قالَ ابنُ الصلاحِ: ((وأخبرنا أبو الفتحِ بنُ عبدِ المُنْعمِ الفُرَاوِيُّ (٨) قراءةً عليهِ بنيسابورَ - جَبَرها الله -، قال: أخبرنا أبو المعالي الفارسيُّ، أخبرنا الحافظُ أبو بكرٍ البَيْهَقيُّ، أخبرنا أبو الحسينِ بنُ بِشْرانَ، أخبرنا أبو عمرو
(١) من قوله: ((ويحتمل أن تكون مجازاً بأنه أمر من يكتب)) لم ترد في (ف). (٢) أخرجه: البخاري ١/ ٤١ (١٢٠)، والحديث هو: ((حفظت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعاءين فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قُطع هذا البلعوم)). (٣) في (أ): ((ملء الأرض)). (٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٤. (٥) توضيح الأفكار ٢/ ٣٦٥ - ٣٦٦. (٦) لم ترد في (ب). (٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٤. (٨) هذه النسبة إلى فراوة، وهي بليدة مما يلي خوارزم، وضبطها بعضهم: بضم الفاء، وبعضهم ... بفتحها. انظر: الأنساب ٤/ ٦١٥، ووفيات الأعيان ٤/ ٢٩١، وتبصير المنتبه ٣/ ١١٠٠، ومعجم البلدان ٤/ ٢٤٥.